تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على هذا أصلحت السجون، ووضعت الأسس للوقاية من الإجرام.

وهكذا كل الأمراض الاجتماعية وما وضع لها من إصلاح.

قد أتى هذا التعقيل أو هذا النضج في التفكير نتيجة للإيمان بقانون السببية، وربط المسببات بالأسباب، فالفقر والإجرام والجهل والقذارة وسوء النظام وفساد الحكم، كل ذلك ليست قدرا ينزل من السماء لا قبل لنا به ولا دخل لنا فيه، ولكن أسباب حدثت تنتج مسببات لا بد منها، وليست ثمرة تثمر عفوا، ولكن تبذر بذور وتتكون مع الزمن لتكون شجرة ثم تثمر، ولا بد أن تكون الثمرة من جنس البذرة، فإذا بذرت حنظلا وأردت تفاحا فذلك محال، إلا أن تغير البذرة وتتعهدها بالنماء حتى تثمر تفاحا. ومهما كان لك من نية حسنة فبذرة الحنظل حنظل، وبذرة التفاح تفاح. •••

والناظر في شئون الأمم والجماعات وتطورها يرى أنها جرت في تطورها على سنن واحد من الخضوع للغريزة، إلى الخضوع للهوى، إلى التعقيل.

فالجمعيات الإنسانية الأولى تتحكم فيها الغرائز وحدها، ولا شيء يكبتها إلا القوة والخوف منها، ثم تخضع لحكم الهوى من تقاليد وعرف وظروف طبيعية واجتماعية، ثم أخيرا تتطور إلى الخضوع للعقل وإن لم تبلغ في ذلك إلى الآن الغاية.

هذا هو شأن الإنسان في علاقاته الجنسية، فالغرائز أولا مطلقة، ثم تكون الأسرة خاضعة لأحكام الهوى، ثم تأخذ في الخضوع للعقل، وكذلك الشأن في النظم الاقتصادية تخضع أولا للغرائز، ثم لحكم الهوى فيكون نظام الطبقات وما إليها، ثم لحكم العقل، وكذلك في الشئون السياسية.

ولهذا كان البطل في الجمعية الأولى أقوى من في الجمعية غرائز، كما يتمثل ذلك في شيخ القبيلة، ثم يكون البطل في الطور الثاني الولي أو القديس أو الحاكم المستبد، ثم يكون في طور التعقيل المصلح. وليست الخطوط بين هذه الأطوار واضحة جلية، فكثيرا ما تمر القرون مختلطة بين طورين حتى يتم التطور. •••

ماذا نعني بتعقيل الإصلاح؟

إذا أردنا أن نبني عمارة على مساحة من الأرض فإن سرنا على الهوى فإنا نأتي بمعماري حيثما اتفق، وهو يسير في بنائها حيثما اتفق، وإذا عن في أثناء البناء ضروب من التعديل والتغيير أدخلها، وإذا فرغ مال المالك وسط البناء وقف، وإذا تم البناء بدأ يفكر في النجارة، وقد تستلزم النجارة تعديل البناء. وهكذا في كل خطوة تظهر مشاكل تتطلب حلا، فتحل المشكلة الحاضرة من غير نظر إلى ما وراءها، حتى إذا تمت - إن تمت - فبطلوع الروح، وبضروب من النقص الناشئ من الارتجال.

أما إن بنيت على أساس التعقيل وجب أن يحدد المالك ماذا يريد من البناء: الاستغلال أو سكنى نفسه وأهله، وكم شقة يريد في الدور، وكم دورا.. إلخ.. إلخ.

ويأتي بالمهندس فيمسح الأرض، ويدرسها من حيث طبيعتها وما تسمح به القوانين في ارتفاعها، ويتخيل أحسن أشكالها وفقا لموقعها وما تتطلبه من شمس وهواء وضياء، ويضع ذلك كله على الخريطة: الأساس والدور الأول والثاني وهكذا، وكم مترا ستكون مساحة البناء، وما يتطلبه من مال، والنجارة، والسباكة، والكهرباء . ويضع ذلك كله على الورق، ويراعي كل الظروف والملابسات، ويصل إلى كل النتائج، إلى تسليم المفتاح، وإذا كان مهندسا ماهرا لم يختل شيء من ذلك في قليل ولا كثير.

ثم المالك بعد يقيس ذلك بماليته، ويرى هل ذلك كله حقق غرضه. فإن تم الاتفاق نفذ المشروع، على أن يكون أول حجر يوضع مقدمة لآخر عمل يعمل، فهذا تعقيل البناء وكذلك الشأن في تعقيل الإصلاح الاجتماعي.

إن أي مشروع لإصلاح اجتماعي يتطلب لتعقيله خمس خطوات: (1)

مسح المشروع كما تمسح الأرض، وذلك بإلقاء نظرة عامة عليه وعلى ما يحيط به من علاقة بين الحالة الاقتصادية والاجتماعية للأمة. (2)

دراسة المشروع دراسة وافية من جميع جوانبه كما يفعل المهندس الماهر في دراسة بناء العمارة: من وصف دقيق للمشروع، وتحليل عميق، وعلاقة المشروع بالنظم الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، والاستعانة بما يحتاج إليه من إحصائيات وما يتكلف من مال، والموارد والمصادر والنتائج، والموازنة بين ما ينفق عليه والنتائج التي تحصل منه، وما قد يعترضه من عوائق، وكيفية التغلب عليها، وهل ينفذ دفعة واحدة أو على خطوات، وإن كانت الثانية فما هي هذه الخطوات. وهكذا إلى «تسليم المفتاح». (3)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٠٠