وكان هذا النوع من الأدب أضر بالشرقي من ضرره بالغربي؛ لأن الغربي عنده بجانب هذا الأدب الضعيف أدب آخر قوي؛ فإذا بعث الأول حنانا ورقة، بعث الآخر قوة وجلدا، فتعادلت حياته وتغذت نواحي عواطفه؛ أما الشرقي فليس له تراث حاضر من أدب قوي يسند ضعفه ويحيي نفسه. وسبب آخر وهو أن الشرقي - على العموم - ذو عاطفة أحد، وهو لها أقل ضبطا؛ فإذا نحن غذيناه دائما بهذا الأدب الحاد، زادت عواطفه ميوعة، مع أنه أحوج ما يكون إلى ما يقوي عاطفته ويضبط جموحها. •••
الحق أن الأدب عود ذو أوتار، ويجب أن تكون أوتاره على نظام ما عند الإنسان من عواطف جدية وهزلية، ورقيقة وقوية؛ وضاحكة وباكية، ورخيصة وغالية. والعود الذي يوقع عليه الأديب الشرقي ناقص الأوتار، تنقصه الأوتار القوية، والأوتار التي تبعث الحياة، والأوتار التي تبعث الضحك ليتلوه جد، والأوتار التي تهز النفس لتملأها أملا، والأوتار التي تبعث النغم يصور بطولة، والتي تبعث النغم ليوقظ من سهاد - عود الأديب الشرقي على نحو عود المغني الشرقي - أشجى أغانيه أحزنها، وخير نغماته أبكاها.
فهل يتقي الله الفنانون والأدباء في الجيل الناشئ فيصلحوا أغانيهم ويكملوا ما نقص من أوتارهم، ويستدركوا ما فاتهم؛ وينشدوا طويلا نشيد الحياة، كما أنشدوا من قبل طويلا نشيد الموت؟
| من غير عنوان
أكلت أكلة ساء هضمها، فانقبضت نفسي، وغاضت بشاشتي، وتقطب ما بين عيني، وسئمت كل شيء حولي، وبرمت بمخالطة الناس كما برمت بالعزلة عنهم، وكرهت السكوت كما كرهت الكلام.
ونظرت إلى العالم فتجهمته، رأيته ثقيل الروح، فاسد المنطق، يمج السمع نغماته، ويعاف الطبع منظره، وتأخذ بخناقى ألاعيبه وأحداثه.
أي شيء فيه يسر؟ إن هو إلا جيفة تنبحها الكلاب، وميتة يتساقط عليها الذباب، عدو كل ألفة، ومصدع كل شمل، يبلي الجديد ولا يجد البالي، ليست لذته إلا ألما مفضضا، ولا مسرته إلا حزنا مبهرجا!
ودعوت ربي بالسلامة جاهدا
ليصحني فإذا السلامة داء •••
ما حال من آفته بقاؤه
نغص عيشي كله فناؤه
أليس عجيبا ألا تكون لذة حتى يحدها ألمان، ولا راحة حتى يكتنفها عناآن؟
سعيد وشقي، وفقير وغني، وذكي وغبي، ليست إلا ألفاظا اصطلح عليها، فإن أنت تأملتها لم تجد كبير فرق بين مدلولاتها.
ما الظافرون بعز ها ويسارها
إلا قريبو الحال من خيابها
أكبر الناس قيمة الأشياء وأضاعها الموت! وتفاوتوا في الجاه والثراء وسوى بينهم القبر!
ومن ضمه جدث لم يبل
على ما أفاد ولا ما اقتنى
يصير ترابا سواه علي
ه مس الحرير وطعن القنا!
ليست الدنيا إلا قطرة من شهد في بحار من علقم، وذرة من سعادة في أمواج من شقاء، يمعن الدهر في بؤسه وعنته؛ حتى إذا استيأست النفس وبلغت الروح التراقي سخا بقبس من نعيم ثم أطفأه بريح عاتية من عذاب!
قد فاضت الدنيا بأدناسها
على براياها وأجناسها
وكل حي فوقها ظالم
وما بها أظلم من ناسها
نظام كله فوضى! وحياة كلها فساد، رذيلة تسعد وفضيلة تشقي!
والناس شتى فيعطى المقت صادقهم
عن الأمور ويحبى الكاذب الملق
بحار تشكو الري، وصحراء تشكو الظمأ، وماء ولا شارب، وشارب ولا ماء! وغني عقيم، وفقير عائل:
سبحان من قسم الحظو
ظ فلا عتاب ولا ملامه!
أعمى وأعشى ثم ذو
بصر وزرقاء اليمامه!
عيش كله هذيان، أعاليل بأباطيل، والدنيا تلعب بنا لعب الكرة!
ترينا الدجى في هيئة النور خدعة
وتطعمنا صابا فنحسبه شهدا
كذب المؤرخون فسموا زمنا سلما وزمنا حربا، وما السلم إلا حرب صامتة شر من الحرب الناطقة! كل شيء في العالم مفترس، أسد يفترس ذئبا، وذئب يفترس حملا، وإنسان يفترس كل شيء حتى نفسه!
كان العالم عالم سوء فتوج الإنسان شروره:
كلما أنبت الزمان قناة
ركب المرء في القناة سنانا
عالم كله أحاجي وألغاز، وعقل قاصر عنيد، منذ خلقه الله يحاول أن يفهم فلا يفهم، يحوم حول العالم يريد أن يعرف الغرض منه فلا هو يصل ولا هو يعدل.