تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة

أي المعاني بأهل الأرض مقصود •••

الله صورني ولست بعالم

لم ذاك، سبحان القدير الواحد!

حياة حار فيها الحكيم وضل فيها الفيلسوف؛ مبادئ تتضارب، وصور تتنازع، وكلام مزخرف، ظاهره جميل وباطنه مزيف. وكلما ظنوا أن قد حلوا مشكلة نجمت مشكلات. وقديما قضى الفلاسفة حياتهم في الجوهر والعرض والكمية والكيفية وأيس وليس، ثم عادوا آخر المطاف يعترفون بالفشل ويقرون بالعجز، ويقولون مع القائل:

نهاية إقدام العقول عقال

وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا

وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

زاد تلبك معدتي، فزادت من الحياة نقمتي!

فيا موت زر إن الحياة ذميمة

ويا نفس جدي إن دهرك هازل •••

تناولت دواء هاضما فأخذت أهش للحياة وأبش، وبدأت أنظر إلى العالم بوجه منطلق، ومحيا منبسط. ها هو ذا قد تألقت صفحته، وأصفرت غرته، وانقشعت غمامته.

الحق أن العالم جميل، فهذا نسيم يعطر الجو بعرفه، ويحيي النفوس برقته ولطفه؛ وهذا الربيع نزهة العين، ومنطق الطير؛ وهذه الحديقة عقد منظوم، ووشي مرقوم:

أصبحت الدنيا تروق من نظر

بمنظر فيه جلاء للبصر

والأرض في روض كأفواف الحبر

تبرجت بعد حياء وخفر

كل شيء حولي يضحك! ليس في الإمكان أبدع مما كان:

قلبي وثاب إلى ذا وذا

ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي

ويرحم القبح فيهواه

إن الحياة غنية باللذائذ، وليست الآلام فيها إلا توابل تهيئ لاستمراء اللذة.

والشوك في شجرات الورد محتمل

ما الدنيا إلا قيثارة يوقع عليها شجى الألحان! أو مائدة شهية صففت عليها صنوف الألوان!

وقد تخمد الشمس الصباح بضوئها

تفاوتت الأنوار والكل رائق

إن كان في الدنيا سخف وهذيان، فكن الفيلسوف الضاحك، ولا تكن الفيلسوف الباكي!

وإن كانت الدنيا ألغازا وأحاجي، فكم نجح العقل في حلها واستجلاء غامضها، وكل يوم تتسع دائرة المعلوم، وتضيق دائرة المجهول، والعقل يلذه البحث، ولو لم يصل، ويشعر بالغبطة ولو لم ينل، وفي نجاحه فيما أدرك، عدة له فيما لم يدرك. •••

رحماك اللهم! إن كان درهم من دواء هاضم يغير وجه العالم، ويحيل السواد بياضا، والشقاء سعادة، والقبح جمالا، والظلام نورا، والحزن سرورا، فأين الحق؟

| الإشعاع

كتب أخي الدكتور أحمد زكي في مجلة الرسالة مقالا ممتعا في الإشعاع العلمي، تكلم فيه عن إشعاع الشمعة والنجوم والشمس، والإشعاع اللاسلكي، وموجات الضوء واختلافها، فأوحت مقالته إلى معاني في الإشعاع النفسي.

إن للنفوس والعقول إشعاعات لا تقل جمالا عن إشعاعات النجوم والكواكب، نشعر بها وقد لا نستطيع التعبير عنها، وهي أشد غموضا وتعقدا من الإشعاع الحسي، وهي مختلفة أكثر من الاختلاف بين أشعة الألوان، من حمراء وبنفسجية وتحت الحمراء وفوق البنفسجية وما بين ذلك، وهي مختلفة في القوة أشد من اختلاف المصابيح الكهربائية؛ فلئن كانت قوة المصباح شمعة أو شمعتين أو ألفا أو ألفين، فللنفوس قوة تختلف إلى ما لا نهاية له صغرا وضآلة، وإلى ما لا نهاية عظمة وسناء.

لعلك تشعر معي أنك ترى الرجل أو تحادثه أو تجالسه أو تسمع لمحاضرته، فيشع عليك نوعا من الإشعاع يخالف الآخر كل المخالفة، قد تحسن التعبير عنه وقد لا تحسن؛ فهذا يشع عليك سرورا وأريحية واطمئنانا، وهذا يشع حزنا ووجدا ورقة وحنانا، وذاك يشع هيبة وجلالا ووقارا، وآخر يشع ضعة وذلة وهوانا؛ وقد تحس من رجل بنوع من الأشعة تدركه وتستطعمه ولكنك لا تستطيع وصفه، كما إذا أكلت كمثرى وتذوقتها وأردت أن تصف طعمها لمن لم يذقها.

في الناس من إذا جالسته أشع عليك نورا أضاء لك ما بين جوانبك فأدركت نفسك، وأشع نورا على العالم الذي حولك، فتبينته وعرفت محاسنه ومساويه، وأدركت مكانك منه، ورأيت كل شيء حولك صافيا بينا كأنك تنظر إليه من مصباح

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠