ونتج عن ذلك ضعف الرأي العام، فإن قوته تنشأ من الثقافة الواسعة الموحدة كما نتج عدم التفاهم في المسائل العامة؛ فالخلافات الكثيرة في مجالسنا وآرائنا ووجوه حياتنا منشؤها في الأعم الأغلب الاختلاف الواسع في التقويم، والاختلاف الواسع في التقويم منشؤه الاختلاف الواسع في التكوين. •••
على نمط أوسع من هذا كان الاختلاف العالمي. فهناك خلافات واسعة في التربية ونظمها، هناك من يربي على أساس النزعة القومية وقوة الأمة وسيطرتها، وهناك من يريد أن يربي على أساس النزعة الإنسانية والأخوة العامة، ثم هناك من يريد أن يربي على أساس النزعة العقلية المادية البحتة، غير عابئ بالأديان والتقاليد والحياة الروحية، ومنهم من يريد أن يربي على أساس العقل والروح معا، والتقاليد والتجديد معا، وهكذا، وكل منهج يحارب الآخر.
ومن الناحية الاقتصادية هناك من يؤيد الملكية الخاصة، وهناك من يريد أن يهدرها تماما، وهناك من يريد أن يتوسط، ثم هناك من يريد حرية التجارة وحرية الأسواق، والنظر إلى ذلك كله نظرة عالمية، وهناك من يريد إخضاع التجارة والأسواق للنزعة القومية، فيتدخل في التجارة وفي الأسواق وهكذا.
ومن الناحية الاجتماعية هناك فلسفة ترى أن الحرية يجب أن تمنح كاملة لأفراد الأمة، وألا تقف أمامها السلطات، فلا تحدها ولا تتدخل فيها إلا بقدر، وسينشأ عن ذلك النظام، بحكم طبيعة الشعب؛ وترى فلسفة أخرى أن النظام واستعمال السلطة في تعويد الشعب إياه يجب أن يسبق الحرية، ولا تنشأ الحرية الصحيحة إلا من فرض النظام وسهر السلطات عليه حتى تتربى الأمة.
ثم إن المدنية الصناعية الحديثة والمخترعات الجديدة تغلغلت في حياة الناس، وغيرت من تقويم الأشياء. ولم يتأثر بها الناس على السواء، بل كان منهم محافظون حافظوا إلى حد ما على القيم القديمة، وأحرار غيروا تغييرا كبيرا ، وأسرفوا في تقويم الجديد، مما كان مثار خلاف أيضا بين اتجاهات العالم. •••
كل هذه وكثير أمثالها خالفت بين الجماعات في التقويم، ثم تبلورت فقسمت العالم إلى معسكرات تستعد اليوم للحرب، كما كانت تستعد من قبل، ثم تكتلت هذه المعسكرات إلى معسكرين اثنين. •••
إذا كان أكبر سبب في هذه المنازعات هو اختلاف النظر الناشئ عن اختلاف التقويم، فهل هناك أمل في العلاج؟
إن ما أحدثته المخترعات الحديثة من تقريب المسافات بين الأمم، وكثرة الامتزاج والاختلاط بينها، وشدة الاتصال في معرفة كل أخبار الآخر، وكثرة المؤتمرات وما إلى ذلك، عامل كبير من غير شك في تقريب وجهات النظر، وتقريب تقويم الأشياء والآراء.
وإذا ثبت أن أهم سبب في الخصومات هو الاختلاف في التقويم كان أهم واجب على المصلحين أن ينادوا بالعلاج النفسي والاجتماعي؛ فليس هناك كبير فائدة في التفكير في نزع السلاح وإنشاء هيئة الأمم ونحو ذلك، ما لم تدعم بالعلاج النفسي من إزالة سبب خوف كل معسكر من الآخر بعد دراسته نفسيا، وما لم تدعم أيضا بالعلاج الاجتماعي من بحث وسائل تقريب النظر وتقريب التقويم.
| الوصايا العشر
قرأت أن أمريكيا من رجال الأعمال وضع لنفسه وصايا عشرا، وعنونها «عهد وثيق» وكتبها على بطاقة، وآلى أن يقرأها كل يوم صباحا عند الإفطار، وأن يبذل كل جهده للعمل بها وهي: (1)
سأكرم نفسي: لأني أستطيع أن أعتزل كل أحد إلا نفسي، أعيش معها كل وقتي، آكل معها، وأنام معها، وأقيم معها وأرحل معها، فعلي عهد ألا آتي بعمل يخجلها. (2)
سأكون طموحا لا أقنع بما أنا فيه، بل أجعل نصب عيني أن أكون خيرا مما أنا عليه، ومن أجل هذا لا أكره أن تظهر نقائصي، فذلك أقرب إلى معالجتها وإصلاحها، وهذا يجنبني الزهو بنفسي، ويحملني على أن أعمل دائما في بنائها. (3)
سأراقب ما يدخل في ذهني من أفكار، لأنها ذات أثر فعال، فهي إما أن تبنيني أو تهدمني، ولذلك سأغلق باب ذهني عن كل أفكار الفشل، وأفكار الرعب والخوف وأفكار اليأس، وسأحرم دخولها إلى ذهني كما أحرم الأكل السام إلى معدتي. (4)