وسره في الرأي العام الذي لا يحتقر الجدل الخصم، بل هو يطري طول لسانه وكثرة لجاجته وشدة إمعانه.
وسره في عدم تقويم الزمان، فلا بأس عند الناس أن تضيع الساعات في كلام فارغ، وجدل تافه، فهم يتفكهون بهذا كما يتفكهون بلعب النرد والشطرنج.
وسره في تشتت العقلية، فالتفاهم إنما يكون حين تتقارب العقلية، ولكنك تنظر فترى أميين بجانب متعلمين، وهؤلاء المتعلمون لا وحدة بينهم؛ تعليم أزهري ومدني وأجنبي، ومن تثقف ثقافة فرنسية، وأخرى إنجليزية، وثالثة ألمانية. من غير أن يكون لهذا كله دعامة متحدة من ثقافة قومية، ثم الفروق التي تنتجها معيشة الطبقات في العقلية؛ فعقلية الطبقة الارستقراطية غير طبيعة الطبقة الديمقراطية؛ وهكذا تمزقت عقلية الأمة كل ممزق، فلم يعد لها وحدة في العقلية، ولا وحدة في المزاج.
فإن كنت عاقلا فوفر على نفسك الجدل فيما لا طائل تحته، واقتصد من وقتك وثوران نفسك، فإن من أهم الأسباب في خلق الأرض واسعة والسماء فسيحة أن نهرب حيث نشاء من الجدل العقيم.
| اختلاف القيم
أهم فرق بين إنسان وإنسان هو نظرته إلى الأشياء وتقويمها، هذا هو الفرق بين العالم والجاهل، والراقي والوضيع، والحكيم والأحمق. وسلوك الإنسان في الحياة دليل على قائمة القيم المنقوشة في أعماق نفسه. فإن رأيته يسعى إلى تحصيل المال حيث كان، ومن أي طريق كان، ولا يعبأ بالنزاهة والشرف والكرامة دل ذلك على أنه يضع تحصيل المال في أعلى «قائمة القيم»، والشرف والكرامة في أسفلها، وإن رأيته يعنى بالنظافة أو لا يعنى بها، وبالمطالعة في الكتب أو عدمها، وبالمناظر الجميلة أو إهمالها، فمعنى ذلك من غير شك تحديد موضعها في «قائمة القيم».
وفائدة التربية بوسائلها المختلفة، والتعليم بأساليبه المتعددة إنما هو هذا التقويم، فالذي ربي تربية صالحة، وعلم تعليما صحيحا لا يمتاز عمن ربي تربية فاسدة، وعلم تعليما سيئا، إلا أن الأول قد ركزت في ذهنه قائمة لقيم الأشياء مرتبة ترتيبا يتفق والمثل الأعلى، والثاني قد غرس في نفسه قائمة تتفق والمثل الأسفل .
وهذه المثل التي تشتق منها القيم تختلف باختلاف العصور والجماعات وروح الزمن، ففي الجماعات المتدينة تشتق القيم من الدين، وترتب قيم الأشياء حسب أوامره ونواهيه؛ فطاعة الله في أول القائمة، والأخلاق تقوم حسبما ورد في الدين من طلب مشدد أو مخفف وهكذا؛ وفي الجماعات التي تفلسف حياتها حسب النجاح في الدنيا فقط ترتب «قائمة القيم» ترتيبا آخر عماده التجارب الدنيوية، وما يوصل منها إلى النجاح وما لا يوصل، فتجعل في أعلى القائمة الحرية، والمحافظة على الشخصية، وتدبير الثروة، وطرق تحصيلها وإنفاقها، والسعادة في الحياة، والتسامح، وما إلى ذلك.
بل أرى أن النزعات والحروب وانقسام العالم إلى معسكرات، إنما منشؤه اختلاف في فلسفة الحياة، نتج عنه اختلاف في تقويم الأشياء، والنظر إليها، فهناك فلسفة اشتراكية تقوم أكبر تقويم المساواة بين الناس، والعدالة الاجتماعية وفرض النظام الاجتماعي الذي يحقق هذه المساواة وهذه العدالة، ويقوم الأشياء الجزئية حسب هذا المبدأ الأساسي الكلي، وهناك فلسفة أخرى تنشد ثروة الشعب، وعظمة الجنس، وحب الاستعمار والفتح، وقوة الجيش في الجو والبر والبحر، وما يتبع ذلك من الإشادة بفضيلة النظام والطاعة، وعلى هذا الأساس تقوم الأشياء، وهكذا اختلفت الفلسفات، فاختلفت مقاييس التقويم، واختلفت نظم التربية التي تحقق هذه الأغراض، وترمي إلى صوغ الشعوب حسب هذه المبادئ، فكان الخصام، وكانت الحرب، فحرب المدافع والقنابل والدبابات والطيارات نتيجة حتمية لحرب الفلسفات وحرب التربيات. •••
إن الأمة المتماسكة هي التي تخضع لنظام واحد، يبث في أفرادها «قائمة للقيم» واحدة، تكون أمام نظرهم جميعا، وتؤلف بينهم جميعا، والأمة المنحلة هي التي تسمح لقوى مختلفة ونظم مختلفة أن تضع «قوائم للقيم» مختلفة تفرق بين أبنائها، فمثلا عندنا الأزهر وتوابعه، يعلم أبناءه تعليما يرسم للقيم خريطة للحياة خاصة، وبجانبه المدارس الأجنبية تضع لطلبتها خريطة أخرى مخالفة للأزهر تمام المخالفة، ثم مدارس حكومية تلون خريطتها بلون ثالث مخالف للأولين، فينشأ عن ذلك حتما اختلاف الأنظار في قيم الأشياء، واختلاف السلوك تبعا للتقويم، وسوء التفاهم بين الجميع لاختلاف المثل العليا لهم، وهكذا الشأن في الخلاف الواسع بين النظم الاجتماعية لسكان الريف وسكان المدن، والأغنياء والفقراء، والمتعلمين والجهلاء، مما ليس له نظير في الأمم المتماسكة؛ فإن كان عندها فروق ففروق ضيقة ليست بالسعة التي عندنا؛ وبعبارة أخرى إن الاختلاف في التقويم عندهم ليس بمقدار الاختلاف في التقويم عندنا.