تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما على الرسول إلا البلاغ ، وبعد ذلك

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ومحمد بشر كسائر الناس، ليس له ميزة إلا أنه أوحي إليه بهذه المبادئ يبلغها

قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . وهو إنما يدعو هذه الدعوة بالحسنى

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين .

إن على الرسول أن يبين آيات الله في خلقه، ويفتح عيون الناس على آثاره في الكون، ويبين لهم كيف يسعد الناس بحسن العقيدة، وتحري الحق والعدل، وكيف يشقون بسوء العقيدة والظلم، وهم أحرار بعد ذلك أن يقبلوا أو أن يرفضوا. ولكن يجب أن يسمعوا، ويجب أن يمكن من أن يسمع الناس ما يدعو إليه، وأن يترك الملوك والحكام الناس أحرارا يسمعون دعوته، ولهم الخيار بعد أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا.

ولو سمعوا لهذا المبدأ ما حمل رسول الله ولا صحبه سيفا ولا أقاموا حربا ولا أراقوا دما، ولانتشر الإسلام بالدعوة وحدها يزينها الحق ويبعث على اعتناقها العقل، وحب الحرية والبساطة، والاعتراف بحقوق الناس كافة، ونصرة المظلوم وتقوية الضعيف، وإنقاذ الفقير وتحرير الرقيق.

ولكن حمله على تقلد السيف أمران لا ثالث لهما: أن يهاجم، فيرد الحرب بالحرب والقوة بالقوة ليحمي دعوته، أو أن يمنعه الملوك والحكام والرؤساء من نشر دعوته حفظا على سلطانهم وعزهم وجاههم؛ وهو لا بد مبلغ رسالته إنقإذن للناس من الظلم وسوء العقيدة، ورغبة في توحيد الناس على العقيدة الصالحة والسياسة الحسنة.

على هذا الأساس وحده كان الغزو وكان الجهاد، ولم يدر بخلد الإسلام أن يجر مغنما، فقد مات رسوله فقيرا لم يملك من الدنيا شيئا، ولم يفتح ما فتح حبا في الفتح والاستعمار، فقد أتى ليرد للناس حريتهم لا ليفقدهم حريتهم, ولذلك كان أسرع الناس لقبول الإسلام الأرقاء والمستضعفون والمظلومون.

ولو حقق الإسلام غايته كلها لكان الناس كلهم أمة واحدة تعتقد بإله واحد وتؤمن بالحق والعدالة وتتعاون على البر والتقوى، ولا تتعاون على الإثم والعدوان، فإن اختلفوا شعوبا وألوانا وأجناسا كما هي طبيعة الدنيا فللتعارف وللتعاون واللانتفاع بمزايا كل، لا للتناكر والتحارب والاستعلاء.

هذا هو الإسلام في جوهره وصميمه.

فإن كان فيه عيب فعيبه أنه بعد عصره الأول لم يجد له حملة، والدين الصالح يفسد بحملته، والدين الفاسد يصلح بحملته.

| مأساة

شعب يقدر بالملايين يحرم القوت ليموت جوعا، وأسباب الحياة ليفقد الحياة، والقوت متوافر كثير، وأسباب الحياة سهلة الوصول، ولكن تقام في وجهها السدود والحواجز والحصون حتى لا يتسرب منها شيء إلى الجائعين.

ذلك هو الشعب المغربي المسكين الذي يسكن تونس والجزائر ومراكش، يمنع عنه الغذاء العقلي فلا تدخله جريدة تنيره، ولا مجلة تفيده، ولا كتاب يهديه.

إنما يسمح له بدلائل الخيرات وأمثالها وبالكتب المدرسية الجافة، بشرط ألا تحيي عاطفة ولا تنير عقلا، فأما كتاب يرشد العقل وينير الذهن، وأما كتاب يغذي العاطفة ويحييها ويقويها، وأما كتاب فيه ذكر للعرب ومجدهم، وأما كتاب فيه الميثاق الأطلنطي وحق الأمم في تقرير المصير، وحق الشعوب في الحرية، فحرام أي حرام، ترصد له العيون، وتحشد له الرقباء، وتغلق في وجهه الأبواب وتشيد له الحصون، حتى إذا مر من حصن حجز في آخر، فلا يمكن أن يصل إلى داخل البلاد مهما عمل من حيلة وبذل من جهد.

لو كان هذا حشيشا أو أفيونا أو خمرا أو أي نوع من أنواع السموم القاتلة لفتحت له الأبواب ولم تقف في وجهه الأرصاد. أما الكتاب والمجلة والجريدة فأمر بغيض بشع يثير الرعب والفرع، ويحتاط له كل الحيطة، ويمنع كل المنع، لأن الحشيش والأفيون مخدر ومرحبا بالمخدرات، والكتاب يغذي ويحيي ويلهم، ولا مرحبا بالمغذيات المحييات الملهمات.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٨٣