تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم .

وجاء في حديث آخر: «كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملئوه

1 . إن الله لا يسألكم عن أحسابكم وأنسابكم يوم القيامة. إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

وأكد في هذه الخطبة أيضا حرمة الأنفس والأموال والأعراض فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».

ويقرر الإسلام وحدة الناس، فقد كانوا أمة واحدة ثم فرق بينهم الباطل وفي أمكانهم أن يعودوا أمة واحدة إذا اتبعوا الحق: «وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا».

ثم أعترف بالأديان السابقة وبالأنبياء السابقين لا فرق يبنهم، فكل من آمن بالله وعمل صالحا فله جزاؤه

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، فإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم أتوا لهداية الناس ودعوتهم إلى الحق

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، فنظام العالم نظام عام شامل، والناس أمة واحدة، والله يرسل رسله لهدايتهم، فإن اختلفوا وتفرقوا فبسوء صنيعهم لا بما يطلب الله منهم، والله جعلهم شعوبا ليتعارفوا، فتناكروا وتحاربوا.

وليست الإنسانية وحدها في نظر الإسلام وحدة، بل العالم كله وحدة؛ فالذرة في الأرض تتكون على نمط تكون الشمس في السماء. وكله يخضع لقوانين واحدة ونظم واحدة، وإلا ما أمكن أن يكون العلم وقوانينه، والقرآن يقول:

ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت .

تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

وتسبيح العالم خضوعه لقوانين الله، ودلالته على قدرته، والسير على مشيئته.

هذه هي وحدة الخلق، وهذا الخلق الواحد له خالق واحد، ف

الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ،

وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ،

وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ،

خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم .

وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ،

ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل * لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

إلخ. إلخ.

على هذا الأساس من وحدة الإنسانية بل وحدة الخلق عامة، ووحدة الخالق بني الإسلام، وجعل شعاره لا إله إلا الله، وكانت أولى آياته

الحمد لله رب العالمين .

وعلى هذا الأساس أيضا وجهت الدعوة، فالناس كلهم يجب أن يدعوا إلى وحدة الخالق ووحدة الخلق، ومحمد رسول الله أرسل إلى الناس كافة لتبليغ هذه الدعوة، ذلك لأن الإنسانية ستعذب إذا أشركت فعددت الآلهة، أو عددت اختصاص الآلهة في الخلق، ولأن نشر العدل بين الناس كافة واعتناق الحق لا يتحقق تمام التحقق إلا بالاعتقاد بهذه الوحدة وحدة العالم ووحدة الله التي يدل عليها لا إله إلا الله رب العالمين، فإذا فشت عقيدة أن لكل شعب إلها كانت الحرب والخصام والفساد، وإذا فشت عقيدة أن هناك شعوبا ممتازة وشعوبا غير ممتازة، وتميزا في الدم أو الجنس أو نحو ذلك فالحرب والخصام، وإذا عبدت الملوك والحكام من دون الله كان الظلم، وإذا قدس شيء دون الله تعددت الآلهة فانتشر الفساد.

لذلك جاء الإسلام يحارب استبداد الملوك والحكومات بالشعوب، كما ترى في الكتب التي أرسلها الرسول إلى ملوك فارس والروم في آخر حياته، ويحارب عصبية القبائل وعصبية التعاظم بالأنساب، ويجعل أساس التقويم والتفاضل العمل الصالح، ويقرب الرسول بلالا الحبشي، وصهيبا الرومي، وسلمان الفارسي، على صناديد قريش، ولا يعتد باللون والدم في قليل ولا كثير.

ومهمة الرسول ليست إلا أن يبلغ هذه الدعوة وأن يوصلها إلى كل أذن ما استطاع

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٨٢