تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعالم مملوء بعناصر كثيرة، وقوى كثيرة، ولسنا نعرف حقيقة لأي عنصر منها، ولا أي قوة من قواها، إنما نعرف بعض خصائصها ومميزاتها. ما حقيقة الذرة، وما الجزيء، وما الخلية؟ أسئلة نجيب عليها بذكر الصفات لا بذكر الحقائق؛ لأنا نجهل حقائقها جهلا تاما.

حتى أقرب الأشياء إلينا وأكثرها مساسا بنا نشعر به ولا نعرفه. وهل أقرب إلينا من حياتنا، ولكن ما هي الحياة؟ لا نعلم. ليقل العلماء فيها ما يقولون، فلن يستطيعوا معرفتها إلا إذا خلقوها

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب .

فإذا انتقلنا إلى المعاني فالأمر فيها أصعب. فكلنا يعشق، وكلنا لذه الوصل وآله الهجر، وكلنا أضناه العشق، ولكن ما هو العشق؟ لا ندري. بل ما الحرية؟ ما الجمال؟ ما الأمل؟ ما العدل؟ ما الشجاعة؟ ما الخير؟ ما الشر؟ أشياء نتحسس معانيها ولا نعرف كنهها.

ولم يتقدم العالم كثيرا من ناحية استكشاف الحقائق، وإنما كان أكثر تقدمه من ناحية استكشاف الخصائص؛ وبعبارة أخرى لم يتقدم من ناحيته العلمية البحتة، وإنما تقدم من ناحيته الفنية، فقد عرفنا فن استخدام البخار، وإن لم نعرف حقيقته، وعرفنا فن الحياة، وإن لم نعرف الحياة نفسها، وعرفنا فن العشق، وإن لم نعرف ماهية العشق، وتفننا في نظم الحرية واستخدمناها في حياتنا السياسية والاجتماعية، وإن لم نعلم كنه الحرية؛ وهكذا في كل شئون الحياة، نجح الفن وفشل العلم، وأمل الفنان ويئس العالم أو كاد؛ وبعبارة أدق: إن الإنسان تقدم تقدما كبيرا في الإجابة عن «كيف»، ولكنه لم يتقدم تقدما كبيرا في الإجابة عن «ما». •••

وهنا يحق لنا أن نتساءل: لم وضع الإنسان في هذا العالم هذا الوضع؟ وأحيط بألغاز عجز عن حلها؟ فهو يعرف ظاهرة المادة فإن تعمق قليلا ليعرف كنهها أدركته الحيرة؛ وفيما وراء المادة من إلهيات ونحوها هو أشد حيرة، حتى لقد زعم بعضهم أن «الله» في اللغة العربية من: أله يأله، إذا تحير (لأن العقول تأله في عظمته).

الحق أن هذا الغموض في العالم مصدر كبير من مصادر اللذة للعقول الكبيرة، وأن حياة العلماء كانت تكون تافهة، لولا هذا الغموض والإلغاز - وموقف العالم من ألغاز العالم موقف الماهر في الشطرنج، ألذ ألعابه أصعبها حلا، وكالرياضي الحاذق لا يستلذ المسائل السهلة والنظريات البسيطة، إنما يستلذ أصعب التمارين حلا وأشدها تعقدا، وهو في هذا ينسى نفسه، وينسى كل شيء حوله، ولا يعدل بلذته في حل الصعاب أي لذة أخرى.

العالم مجموعات من الغوامض تتطلب الحل، وإن شئت فقل: إنه رواية على شريط السينما ليست ناطقة ولا هي مفهومة الصور كل الفهم، ومنذ خلق الإنسان والعالم يتوارد عليه شخصيات كبيرة مختلفة الألوان: من أنبياء يعلمون ما أوحي إليهم، وشعراء يتغنون بجمال الطبيعة، وعلماء يدرسون ويحللون ويستنتجون، وفلاسفة يتعمقون ويقلبون البحث على كل وجوهه الممكنة وغير الممكنة، ومتصوفة أدركوا فشل المنطق والعلم في معرفة حقائق الكون، فذهبوا ينشدون المعرفة من طريق الذوق والإلهام. وكل هؤلاء وهؤلاء قدموا للناس معارف صحيحة وقضايا أصبحت لا تحتمل الشك، ولكن حقائق الكون كلها بقيت مجهولة لدينا تتطلب الحل، وقد فسرت بعض صور الرواية؛ ولكن جوهر الرواية ومغزاها وسرها ظل غامضا لدينا.

ومع هذا الغموض وهذه الحيرة يجب أن نتساءل: هل هذا العالم بني على أساس منطقي في تكوينه وفي تصرفاته، أو هو خابط خبط عشواء، يسير لا إلى غاية ويتجه في الأمر الواحد يمينا أحيانا ويسارا أحيانا من غير قانون؟ وهل الصورة التي يعرضها على شريط السينما تدل حوادثها على أن لها مغزى ترمي إليه، ويدل ما فهم منها إلى الآن على أنها منطقية في ترتيبها وإن لم تفهم كلها، أو هي مجموعة مفارقات لا تربط أجزاءها رابطة، وينقص آخرها ما أبرم أولها؟ وهل العالم مدرسة تتعلم فيها الحكمة، أو هو حجرة لألعاب الأطفال، أو مسرح تمثل فيه ألعاب نيرنجية وشعوذة وحركات بهلوانية؟ وهل العالم مسألة هندسية معقدة، بنيت على نظريات صحيحة يصعب علينا حلها، ولكن ظاهرها يدل على أنها معقولة ممكنة الحل، أو هو مسألة هندسية لم تبن على أساس صحيح ولا على منطق مرتب، وإنما هي مسألة اخترعت من هنا ومن هناك وقصد واضعها حيرة من حاول حلها ثم لا حل لها؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٨