تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خير لك إن كنت في ظلمة أن تأمل طلوع الشمس غدا من أن نذكر طلوعها أمس، فلكل من الظاهرتين أثر نفسي معاكس للآخر، ففي ترقبك طلوع الشمس غدا الأمل والطموح إلى ما هو آت، وفي هذا معنى الحياة؛ وفي تذكرك طلوعها أمس حسرة على ما فات، وألم من خير كنت فيه إلى شر صرت فيه، وفي ذلك معنى الفناء.

وفرق كبير بين من يلطم اللطمة فلا يكون له وسيلة إلا البكاء، وتذكر اللطمة ثم البكاء، ثم تذكر اللطمة ثم البكاء، وبين من يلطم اللطمة فيستجمع قواه للمكافحة. والحياة كلها لطمات، وأعجز الناس من خارت قواه أمام أول لطمة فهرب. ولو أنصف الناس لقوموا الناس بمقدار كفاحهم لا بمقدار فشلهم ونجاحهم . •••

شر ما ألاحظ في الشرق حنينه الشديد إلى الماضي، لا أمله القوي في المستقبل، واعتقاده أن خير أيامه ما سلفت لا ما أقبلت، وإعجابه الشديد بأعمال الماضين وإهمال المعاصرين. له منظاران: منظار مكبر يلبسه إذا نظر إلى الماضي، ومنظار مصغر أسود يضعه إذا نظر إلى الحاضر والمستقبل. يلذه أن يطيل البكاء على الميت، ولا يلذه أن يتدبر فيما يجب أن يفعله الأحياء. يستسهل النفقات مهما عظمت على الميت، ويستكثر نفقات الطبيب وأثمان الدواء للمريض. يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تدل على عظم الماضي، ولا يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تبعث الأمل في المستقبل؛ ففي أعماق نفوسهم أن قول القائل: «ما ترك الأول للآخر» خير من القول: «كم ترك الأول للآخر»، ويلوكون دائما «لا جديد تحت الشمس»، ولا يعجبهم أن تقول: إن كل ما تحت الشمس في جدة مستمرة، والمستقبل مملوء بالجديد. وإذا رأوا كلمة في كتاب قديم تدل - ولو دلالة كاذبة - على نظرية جديدة طاروا بها فرحا؛ لأن ذلك يلائم ما في نفوسهم من تعظيم الماضي وتحقير الحاضر والمستقبل. هم يعيشون في أحلام، ولا يريدون أن يعيشوا في حياة واقعة، وحول هذه المعيشة الحالمة ينسجون دائما ما يوافقها ويمازجها ويسايرها، ويكتفون بالأمل أن ينعموا بالآخرة؛ وماذا عليهم لو عملوا لينعموا بالدنيا والآخرة؟

| ما نعلم وما لا نعلم

ظاهرة واضحة، وهي أن أجهل الناس أكثرهم ادعاء للعلم وأعلمهم أكثرهم اعترافا بالجهل.

كل شيء سهل واضح قابل للفهم، قابل للتفسير عند الجهلاء وأنصاف العلماء.

ما الذي نعلمه عن هذا الكون؟ لا نعلم إلا ظاهرة، ولا نعلم إلا سطحه؛ أما حقيقته، وأما أعماقه فلا نعلم منها إلا قليلا، ونحن حائرون في أمرها، ولا يدري إلا الله متى تنتهي هذه الحيرة.

يجد العلم ويجد، ويظفر كل يوم بقوانين يخرج بها بعض الأشياء من دائرة المجهول إلى المعلوم، ولكنها قوانين تتصل بالظواهر أكثر مما تتصل بالأعماق. أما حقيقة هذا العالم وكنهه فلا يتقدم العلم فيها تقدما يذكر.

يزعم المناطقة أنهم يستطيعون «تعريف الأشياء»، ويضعون قواعد وتفاصيل للتعاريف ، ولكنهم في الواقع جد جاهلين، ولا يمكن تعريف أي شيء.

قالوا: إن الإنسان حيوان ناطق، والفرس حيوان صاهل، وظنوا لغباوتهم أنهم بذلك عرفوا الإنسان والفرس، واستناموا لهذا؛ وظل الإنسان مجهولا بعد تعريفهم كما كان مجهولا قبله، وظل الفرس مجهولا بعد التعريف كما كان قبله. واجتهد علماء كل علم أن يعرفوا أشياء علمهم، فاختلفوا كلهم في تعريف الأشياء وخواصها، ولم يلمسوا حقيقتها مطلقا؛ ولذلك كان من الحق أن يعدلوا عن كلمة التعريف إلى كلمة أخرى ليس فيها هذا الغرور، أو أن يغيروا تعريف «التعريف»، فلا يدعو أنه بيان حقيقة الشيء، وإنما بيان أهم صفاته.

هل استطاع أحد أن يعرف ماهية الكهرباء؟ كلا، ولا أعلم الناس بها، ولا أكبر عالم بشئونها. إنما يعرف كيف يستخدمها ويعرف بعض قوانينها، ويعرف كيف ينتفع بهذه القوانين في الحياة اليومية من إنارة وتدفئة وتبريد، ومن تليفونات وتلغرافات وراديو، وما إلى ذلك. أما ما هي الكهرباء، فسؤال لم يستطع أن يجيب عليه عالم يحترم علمه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٧