ففرح الناس وهللوا لهذه الوعود القيمة، وتفتحت آمالهم، ولكن الحكم الشوري لم يرض طوائف كثيرة. لم يرض الحاشية، وكان السيد جمال الدين أشار على الخديوي توفيق بتغيير حاشية إسماعيل، فأغضبهم عليه؛ قال الشيخ محمد عبده: «ووكيل دولة فرنسا أخذ يسعى في إقامة الموانع دون إعطاء حق النظر في تصحيح «الميزانية»، وتقرير الأمور المالية، ودعا وكيل إنجلترا إلى مساعدته في إقناع الخديوي بضرر هذه الأوضاع الجديدة». فغير رأي الخديوي توفيق من ذلك كله، فاستقال شريف باشا، ونفي السيد جمال الدين، وأخذت الأمور مجرى آخر كان سببا من أسباب الثورة.
ثم جاءت وزارة رياض باشا بعد وزارة شريف. وفي تاريخ مصر الحديث كان شريف باشا دائما رمز الحكم الشوري، ورياض باشا رمز الحكم الاستبدادي، وكلاهما كان يلتف حوله كثير من الخاصة؛ فحول شريف جماعة ترى أن الحكم الشوري هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ البلاد من الفوضى، والأمل الوحيد في وقف كل سلطة عند حدها، والحماية الوحيدة من استبداد الخديوي أو الأجانب، والباعث الوحيد للأمن والحرية في نفوس الأفراد، وحول رياض جماعة ترى أن الحكم الشوري لا يصلح إلا إذا نضجت الأمة وعرفت شؤونها ومجاري السياسة حق معرفتها، ورزقت من الشجاعة في القول والجد في العمل قدرا صالحا، وإلا كان الحكم الشوري نقمة، والأمة لم تبلغ هذا الحد. وكان الجدال والنزاع يدوران على الفكرتين في الصحف والمجالس. وعلى كل حال فقد كان هذا درسا لتنوير الرأي العام في السياسة وتفتيح الأذهان للنظر في المسائل العامة.
وكانت شخصية رياض شخصية معقدة، ذكي، خبير بالإدارة، قوي العزيمة، صبور على العمل لا يمل، معتد بنفسه، لا يرى بجانب رأيه رأيا، إذا وثق بشخص لم يسمع فيه قول قائل، وإذا أساء الظن بإنسان فإلى النهاية، نزيه، يحب الخير لمصر، ولكن حسبما يرى هو وبالطريقة التي يراها، قليل الثقة بالمصريين - على العموم - ممتلئ عقيدة بأنهم مملوءون عيوبا، كبير التعظيم للأجانب، معتقد في قوتهم، يرى أنه لا يستطيع الحكم إلا بالاعتماد عليهم أو على أقواهم، لا يرى بأسا من إغضاب الخديو وإغضاب الأمة في سبيل إرضائهم، ومع ذلك يبذل أقصى جهده في أن ينال منهم أقصى ما يستطيع - برضاهم - لخير أمته - شديد الحب للحكم لا يعتزله إلا مكرها. فكانت أخلاقه هذه من عوامل التمهيد للثورة العرابية.
ألغى السخرة العامة، كإقامة الجسور على النيل، وحفر الترع من غير أجر؛ والسخرة الخاصة، كعمل الفلاحين في أرض سيدهم من غير مقابل، ونفذ ذلك في غير هوادة، فأغضب بذلك الأعيان؛ وأعطى السلطة العامة للمديرين، فأساءوا السيرة، وضيق على الصحف، وعطل بعضها، فعملوا سرا بعد أن كانوا يعملون جهرا، وسافر بعضهم إلى أوروبا يصدر الجرائد في الطعن عليه؛ وعارض الخديو في منحه الرتب والنياشين لمن يراهم أهلا، كما عارضه في كثير من رغباته، فغضب عليه، وعاقب المدير الذي سخر الأهالي في حفر ترعة خاصة بالخديو. وتصرف ناظر الحربية فى وزارته تصرفات أغضبت رجال الجيش المصريين، فطلب عرابي وأصحابه تشكيل مجلس عسكري لتحقيق الشكايات، فمال رياض إلى إجابة مطلبهم؛ ولكن أشيع عنه أنه هو الذي يمانع في ذلك، فغضبوا عليه - كل ذلك وهو لا يريد أن يتخلى عن الحكم.
تبلبلت الأفكار واضطربت، وكلها تتفق في وجوب تغيير الحال، وإن اختلفت أسباب كل طائفة، فالأعيان يحبون رجوع سلطتهم في تسخير الناس، والضباط يريدون العدل بينهم وبين الشراكسة؛ وبعض ذوي الرأي يرون أن هذا كله تأييد لوجهة نظرهم في أنه لا يصلح الأمور إلا نظام الشورى، والخديو ناقم على رياض، وبعض الأجانب لا يسرهم ما قام به رياض من ضبط الأمور المالية؛ كل هذا هيأ للثورة العرابية.
وتطورت مطالب العرابيين من عدل بين الضباط إلى تغيير الحكومة من نظام استبدادي إلى نظام شوري، إلى التهييج على الخديو توفيق، إلى المناداة بعزله لالتجائه إلى الدول لحمايته، إلى الدعوة للجهاد في سبيل صد المغيرين ، واتسعت الحركة، من حركة بين الجند والضباط إلى حركة وطنية واسعة تشمل العلماء والأعيان والتجار والزراع وغيرهم، واندس وسط الحركة من يعمل لصالح أمير ليحل محل الخديو توفيق؛ فجامعة تعمل لصالح البرنس حليم بن محمد علي، ومن هؤلاء صاحب جريدة «أبو نضارة»، ومنهم من يعمل لحساب الخديو إسماعيل لإعادته، ومن هؤلاء راتب باشا السردار، وهكذا.