تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم هذا كله في العدد الأول من صحيفة «التنكيت والتبكيت»، نقد للسياسة العامة للبلد، ونقد للعيوب الاجتماعية الخاصة. كل ذلك في أسلوب يسترعي الانتباه. فقد التزم اللغة البسيطة السهلة عن تفكير وروية، فقال في فاتحتها: إنه لا يريد منها أن تكون منمقة بمجازات واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة، ولا معربة عن غزارة علم وتوقد ذكاء؛ ولكن أحاديث تعودناها، ولغة ألفنا المسامرة بها، ولا تلجئ إلى قاموس الفيروز آبادي، ولا تلزم مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطر لترجمان يعبر عن موضوعها، ولا شيخ يفسر معانيها؛ وإنما هي في مجلسك كصاحب يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه، و«نديم» يسامرك بما تحب وتهوى.

ثم هو يدرك أن في الناس خاصة وعامة، وكل يحب أن يقصد إلى تغذيته بالأدب، وإشعاره بوجوه النقد؛ لذلك يختار موضوعات الخاصة فيكتبها باللغة الفصحى كموضوع «الداء الإفرنجي»، فهو موضوع دقيق لا يقدر قدره إلا الخاصة، أما الفلاح والمرابي وسماعو القصاص فمكتوبة للعامة، فيجب أن تكتب بلغتهم العامية. وهو في اللغة العامية ماهر كل المهارة، يعرف أمثالهم وأنواع كلامهم، ويضع على لسان الخادم والسيد، والمرأة والرجل، والفقير والغني، والماكر والمغفل، ما يليق به في دقة وإحكام وظرف.

ثم هو قد فطن لشيء جليل القدر، وهو أن التعليم والنقد من طريق القصص أجذب للنفس وأفعل في النقد، فأكثر منه بل كاد يلتزمه.

لذلك كله نجح في صحيفته، ووصل نداؤها إلى أكبر عدد ممكن، فمن كان قارئا قرأ، ومن لم يكن قارئا سمع ففهم.

ولم يكتف بذلك، بل نراه في عدد تال يلتفت التفاتة لها خطرها في الإصلاح السياسي والاجتماعي، وهي أن من أهم أسباب غفلة الشرق ضعف الخطابة، وانحصارها - تقريبا - في خطب المساجد، وهي خطب لا تمس الحياة الواقعة بحال من الأحوال، وإنما هي عبارات دينية محفوظة، ومعان متكررة مألوفة، لا تحرك قلبا ولا تضيء حياة.

فكتب مقالا قويا في قيمة الخطابة وأثرها في تاريخ الإسلام، ودعا إلى أن يحضر خطب المساجد أعرف الناس بشؤون الحياة وأقدرهم على التأثير، وأن تشرح هذه الخطب الموقف الحاضر في وضوح، وتبين الأخطار المحيطة بالأمة في جلاء، وأن يتبرع القادرون بقدر من المال يخصص لهذا الغرض، ويتفقوا مع ديوان الأوقاف ليسمح بإلقاء هذه الخطب في المساجد ثم تطبع وتنشر في أنحاء البلاد؛ ليصل صداها إلى كل قرية وبلدة؛ وأعلن استعداده للاشتراك في إعدادها، ووضع خطبة نموذجية توضح غرضه. تتضمن المحافظة على حقوق البلاد، والنهي عن الظلم والبغي، والدعوة إلى الائتلاف لمواجهة الأخطار التي تظهر دلائلها في الأفق، والاتحاد مع المواطنين من غير نظر إلى اختلاف الدين، والتذكير بمجد مصر السابق، والالتفاف حول الخليفة والخديوي، والتحذير من تمكن الأجنبي من وضع يده على سياسة البلاد، والتحرز من إتيان عمل يتخذه وسيلة لتدخله، ومعاملة النزلاء الأجانب بالحسنى، من حفظ حقوق تجارتهم، وعدم الإساءة إليهم .

هذه هي المعاني التي رأى أن الحاجة ماسة إليها في ذلك الوقت (في أول حكم الخديوي توفيق قبيل الثورة العرابية)، صاغها صياغة دينية تناسب صلاة الجمعة، فبدأها بالحمد لله، والثناء على رسوله

صلى الله عليه وسلم

وختمها بالحديث الشريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». - وقد حقق «الراديو» أخيرا فكرة عبد الله نديم في إذاعة الخطبة شكلا، ولكن لما تتحقق فكرته موضوعا. وانتهت هذه الصحيفة على هذا الوضع.

3

لم يكن في مصر إلى أواخر عهد إسماعيل رأي عام يشعر بظلم، وإن شعر فلا ينطق؛ لأن عنف الاستبداد أمات الشعور وأخرس الألسن؛ حتى تدخلت الدول الأجنبية في شؤون مصر المالية، فبدأ الشعور يتنبه، وغذاه الخديوي إسماعيل نفسه وجرأه؛ لإحساسه بثقل التدخل وخشيته من عاقبته؛ فأول معارضة من مجلس شورى النواب للحكومة كانت بإيعاز منه، ولولا ذلك لم يجرؤ، ومظاهرة الضباط ومهاجمتهم لنظارة المالية لتأخير رواتبهم كانت بتدبيره؛ ليتخلص من وزارة نوبار التي تمالئ الأجانب في هذا التدخل؛ واجتماع أعيان البلاد في دار السيد البكري، ووضعهم اللائحة الوطنية التي تعهدوا فيها بوفاء ديون أوروبا وضمانها وعدم تدخل ممثليها في شؤون البلاد كانت فكرة بثها الخديوي في أذهانهم؛ وكان هذا أول ما أشعر الناس بقوتهم، وحاجة الحاكم إليهم، ونبه الرأي العام إلى أنه يستطيع أن يقف الظلم ويطالب بالحقوق، وأن من حقه مراقبة الولاة والحكام ورفع صوته بنقدهم؛ وهذا الشعور إذا وجد في أمة لا بد له من قادة يشعرون شعور الناس، ويصوغونه صياغة قوية يلهبون بها شعور من شعر، وينهبون بها من لم يشعر، فكان ذلك في السيد جمال الدين ومدرسته، وجاء الخديوي توفيق ونواة الرأي العام قد غرست، وتتابع الأحداث الخطيرة يغذيها وينميها، والنفوس مستبشرة خيرا بتوليته، فلم يكن مسرفا ولا مستبدا، وكان سمحا رحيما؛ وكان قبل عزل إسماعيل يتصل بالسيد جمال الدين ويحبذ آراءه في الإصلاح، فلما تولى قربه إليه، وقال له: أنت موضع أملي في مصر، ودعا شريف باشا لتشكيل الوزارة، «وصرح برغبته في تحقيق آمال الأمة، وإخراجها من الحالة السيئة التي هي فيها بالاقتصاد في نفقات الحكومة، والاستقامة في الوظائف العامة، وإصلاح القضاء والإدارة، وتوسيع نظام شورى القوانين، وإصلاح المحاكم والمجالس، والسعي لتعميم التربية والتعليم، وتوسيع دائرة الزراعة والتجارة، ومنح الحرية للعاملين في أعمالهم».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٩٩