وكل ما يطلب من الفنان أن يجيد العرض، وأن يكون عرضه ملائما لشخصيته. انظر في ذلك إلى الرويات الجيدة تجد معانيها في أغلب الأحيان معروفة ينطق بها العامة والخاصة، وتجري على ألسنة الجهلاء والعلماء، ومع ذلك استطاع الأديب الفنان أن يجعل منها رواية رائعة أو قصة بديعة أو مقالة شائقة، وليس له في ذلك إلا الصياغة وحسن العرض، قد أخذ الفكرة التي يراها كل الناس، ولكنه عرف كيف يلعب بها ويجيد اللعب، ويقلبها على وجوهها المختلفة ويلبسها لباسا جديدا، فقد أسبغ على الفكرة من عواطفه وشعوره ما جعلها جذابة أخاذة، وهذا هو الجديد في الموضوع، فإن لكل أديب نفسه وعواطفه وأسلوبه وشخصيته؛ فإذا مزج الفكرة بذلك كله كان في الناتج جدة، وفي الموضوع طرافة، كحروف الهجاء، كل الناس ينطقون بها، ولكن اختلفت مناطقهم وأصواتهم وحناجرهم، فكانت كأن كل إنسان ينطق بها نطقا جديدا، وكأن الحروف لم تخلق بشكلها الخاص إلا له. والقطعة من الذهب إنما يتفاوت الصائغون بالمهارة في صياغتها والذهب هو الذهب في أيديهم جميعا. •••
وأخيرا خير الكتاب من استطاع أن يفهم نفسه ويعرف استعداداته، في أي النواحي يجيد وفي أيها يضعف، ومتى يرقى ومتى يسف، قد جرب نفسه أولا في ضروب الأدب المختلفة من قصة وشعر وكتابة اجتماعية وكتابة أدبية ونقد وإنشاء، وقلب نفسه على وجوهها المختلفة، ولاحظ ذلك في دقة وعمق، وعالج مواضع الضعف منها، ثم استقر بعد السياحة الطويلة الشاقة إلى شيء اطمأن إليه، وهو أن ملكاته واستعداداته يوافقها شيء ولا يوافقها آخر، وتنبع في مواضع وتجمد في أخرى.
فإن هو آنس من نفسه ذلك اكتفى بما منحه القدر، وغنى فقط نوع الأناشيد التي يحسنها، وطلب السمو في النواحي التي تواتيه فيها ملكاته، وإلا أضاع نفسه من كثرة ما يحاول فيما يعجز عنه ويقصر فيه؛ فالفلاسفة إلى الآن لم يعثرو على الإكسير الذي يجعل الفضة ذهبا أو الحديد فضة؛ فخير لنا أن نبذل جهدنا في إظهار الفضة بخير مظاهرها من أن نحاول - مع الفشل الدائم - أن نقلبها ذهبا.
| الراحة في التغيير
خلق الإنسان ملولا، يمل النعيم إذا طال، ويمل الشقاء إذا طال؛ يمل الحر إذا دام، ويمل البرد إذا دام؛ يمل الأكل الشهي اللذيذ إذا استمر عليه، ويمل الأكل الخسيس إذا استمر عليه؛ وقديما مل بنو إسرائيل أكل المن والسلوى، وقالوا:
لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها . ولست أدري: لم لامهم موسى - عليه السلام - على ذلك والملل طبيعي في الإنسان، إلا أن تكون صيغة الطلب رذيلة مذمومة «فادع لنا ربك»، ليست الصيغة المؤدبة التي تصدر من المؤمنين.
من أجل هذا استعان الناس على درء الملل بالتنويع والتنقل، ولو من حسن إلى رديء؛ فاشتهوا أتفه الطعام بجانب أجوده، واشتهوا عشش رأس البر، وأكواخ أبي قير، فرارا من القصور الشامخة والبنيان المشيد؛ وروعي هذا في برامج دراسية: فخط بعد لغة، ورسم بعد حساب، ولغة إنجليزية بعد لغة عربية، دفعا للملل من الدرس ومن المدرس؛ وروعي كذلك في برنامج الحياة: فلعب بعد عمل، ومزاح بعد جد؛ وراعت الطبيعة هذا في برنامجها: فليل ونهار، وحر وبرد، وسلطان للقمر بعد سلطان للشمس، وهكذا؛ ولولا ذلك لعرا الناس ملل لا يطاق، ولكانت الحياة عبئا ثقيلا لا يحتمل، ولفر الناس منها إلى الموت طلبا للتغيير والتنويع. •••
أخطأ الناس فظنوا أن الراحة معناها الانغماس في الكسل، والإضراب عن العمل، والتمدد على سرير مريح، أو الاتكاء على كرسي مجنح أو نحو ذلك؛ وليس هذا بصحيح دائما، ولو كان كذلك لما مل الناس هذه الراحة، ولما فروا منها إلى العمل، واستراحوا بالجد والتعب؛ إنما الراحة التغيير من حال إلى حال، من عمل إلى لا عمل، ومن لا عمل إلى عمل؛ ولو كان عدم العمل هو الراحة لكان السجن أروح مكان. ألا ترى الراحة تكون في الأشياء وأضدادها باستمرار؟ فلو ركبت سيارة من مصر إلى الأسكندرية لأحسست التعب من الركوب، وأحسست الراحة في المشي، ولو مشيت طويلا لأحسست التعب من المشي، والراحة في الركوب؛ وما أحلى النوم بعد التعب، وما أحلى اليقظة بعد النوم - وفي الجلوس راحة إذا طال الوقوف، وفي الوقوف راحة إذا طال الجلوس، وفي العمل راحة بعد طول الفراغ، وفي الفراغ راحة بعد طول العمل وفي نظر الصحراء لذة بعد طول النظر إلى البحر، وفي البحر لذة بعد طول النظر إلى الصحراء - ومنظر البحر أبعد عن السأم؛ لأنه تغير مستمر وحركة دائمة: موجة تعلو ثم تهبط، وموجة تنكسر على الصخر أو الرمل ثم تسير إلى الشاطئ وتفنى، وتتجدد أخرى، وهكذا؛ ومنظر الأرض حظه كذلك من التغيير، فالإنسان به أسرع مللا وأقرب سأما - وهكذا كل نظام الحياة: الملل من الدوام، والراحة في التغيير. •••