ويفضل الكاتب الكاتب أيضا في التلقي من ناحية أن كاتبا قد تعدد مناحي إدراكه تعددا متشعبا؛ فالطبيعة توحي إليه بأسرارها، والمجتمع يملي عليه بواطنه، والحياة كلها لا تضن عليه بخفاياها، والملح والفكاهات تدخر له أحسن ما لديها، والجد لا يضن عليه بخير ما عنده؛ فهو مستودع الأسرار، وملتقى البحار والأنهار، ومن يأمنه كل على سره، ويفضي إليه بما يضن به على غيره؛ على حين أن أخاه الكاتب قد يصل إلى بعض الأسرار، ويدرك بعض الاتجاهات ويعجز عن إدراك البعض؛ قد يجيد فهم الطبيعة ولا يفهم للمجتمع سرا، وقد يجيد فهم الجد ولا يفهم الدعابة، ذكي في أمر وغبي في آخر، منير في جانب مظلم في جانب.
وأما اختلاف الكتاب في «الإذاعة» فعلى هذا النحو أيضا: منهم من يجيدها إلى أقصى حد، فصوته صاف جميل يأخذ بالألباب، ويستخرج منك العجب والإعجاب، وهو في كل ما يغني معجب مطرب، سواء أحزن أو أسر، وأضحك أو أبكى، وسواء غنى على عود أو كمان أو البيان، وسواء غنى عاليا أو واطئا؛ ومنهم من يجيد نوعا دون نوع، هو في أحد الأنواع ممدوح الصنيع حميد الأثر، وفي الآخر معيب مستهجن، يحسن العود ولا يحسن الكمان، يبني في ناحية ويقوض في أخرى، يواتيه الطبع في باب، فيأتي بالعجب العجاب، ولا يواتيه في آخر، فمهما اصطنع وتكلف فلا يأتي إلا بما تستك منه الأسماع. •••
ومن اختلاف الكتاب في التلقي والإذاعة يختلفون في «القيمة»، ومع هذا فقد يختلفون في التلقي والإذاعة معا ويتحدون في «القيمة» كالمغنيين يختلفان في الصوت «الصوت» الذي يغنيانه وفي الآلات التي يوقعان عليها، ولكن لا تستطيع أن تميز أحدهما عن الآخر في درجة الرقي.
فهذا كاتب يجيد في ناحية من النواحي، وذاك يجيد في ناحية أخرى، وهما في درجة الإجادة سواء - هذا كاتب يعني كل العناية بشكل المقالة ومظهرها، فتخرج من يده مرتدية بالملاحة، موسومة بالظرف، لها بهاء مونق، ورونق معجب، قد قيست كل جملة منها بالمسطرة حتى تكون وفق قرينتها، إن كان في إحدى أذنيها قرط كان في الأذن الأخرى قرط مثله، يوافقه في الحجم والشكل والطول، وإن كحلت إحدى عينيها، فلا بد أن تكتحل الأخرى على نمط الأولى في دقة وضبط، حتى تبرز كأنها دمية عاج، ثم هي بعد خفيفة المعنى، فاترة الروح، تشغل الأفكار بالنظر إلى شكلها عن النظر إلى روحها - وهذا كاتب آخر لا يعني في مقالته بزي ولا شكل، فتخرج نظيفة في غير جمال، لا يقف عليها الطرف، ولا تأخذ بالأبصار، ولكنها عميقة المعنى، رائعة الفكر، جميلة الروح، هي كالغانية تستغني بحسن ذاتها عن زينتها، حسنها كما قال أبو الطيب (حسن غير مجلوب) وجمالها غير مصنوع.
ومع الاختلاف بين هذا وذاك فلكل جماله ولكل قيمته الأدبية، هذا يرضي الخاصة، وذاك يرضي العامة، ولا بد في الحياة الأدبية من النغمتين معا. •••
وليس يشترط في إجادة الكاتب أن يطرق موضوعا جديدا لم يسبق إليه، بل كل موضوع صالح لأن يكتب فيه ولو تداولته أقلام الكتاب من قبل، فمن مبدإ خلق الإنسان وهو يحب، ومن مبدإ خلق الأدب والحب موضوع للأدب، ومع هذا لم تنفذ مادته، ولا يزال الشعر والنثر والغناء والتصوير تستقى من منابعه، وتكرر أناشيده؛ ولكن لا يعد الكاتب في الموضوع المعاد مجيدا إلا إذا أتى بجديد غاية الأمر أنه لا يشترط جدة الفكر، بل يكفي في ذلك جدة العرض. وأكثر الأدب من هذا القبيل أفكار مألوفة وآراء معروفة؛ ولكن الأديب يستطيع أن يصوغها صياغة جديدة حتى يخيل للقارىء من جودة الصياغة أنها جديدة الفكرة؛ بل إن الكاتب إذا كثرت آراؤه الجديدة خرج عن أن يعد أديبا شعبيا أو أديب أمة، وصار أديبا للخاصة لا يقوم إلا في أوساط قليلة. فالوردة الجميلة تعجب الناظر ولو سبق للحديقة أن أنبتت من قبل أمثالها، و«الدور» يغنيه المغني الحديث يطرب ولو سبقه أحد بغنائه.