تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرجل الثقيل من سمع محاضرة أو خطبة أو أهدى إليه مؤلف كتابا أو قصيدة، ثم سئل عن رأيه في ذلك كله فقال رأيه الصريح في المحاضرة والخطبة والكتاب والقصيدة من غير محاباة ولا مجاملة ولا تحامل أيضا، وذكر ما في ذلك من محاسن إن كانت هناك محاسن وما فيه من عيوب إن كانت هناك عيوب، ولم يجامل ولم يمجمج - فهذا أيضا ثقيل.

والرجل الثقيل من اختير عضوا في مجلس، فإذا عرض أمر فحصه فحصا دقيقا قبل أن يبدي رأيه، ثم ذكره ولو خالف في رأيه كل الأعضاء، وإذا عرضت عليه ترقية لموظف طلب أن تعرض عليه كل الأشباه والنظائر ليقتنع باستحقاق من طلبت ترقيته أو عدم استحقاقه، ويعارض في الأمر لأنه يراه خطأ، وهو بذلك يغضب جهة من الجهات المحترمة أو لم يهتم عند إبداء رأيه بالحزب القائم ولا بالحزب الذاهب، بل ينظر إلى المسألة نظرا مجردا عن كل اعتبار إلا اعتبار الحق، ويعتبر نفسه في المجلس قاضيا عادلا يجب أن يتصف بكل صفات القضاة العدول من درس وفحص وبناء رأي على «حيثيات» لا يراعي فيها إلا المسألة بذاتها من غير تحيز، فهذا أيضا رجل ثقيل.

والرجل الثقيل هو الذي يرى الرأي فيصلب فيه ولا يتزحزح، يرجوه فلان الكبير أن يعدل عن رأيه فلا يقبل، ويرجوه رئيسه فلا يقبل، فإذا فشلت كل أنواع الرجاء حاولوا ذلك بطريق الإغراء، فمنوه بدرجة فلم يقبل، وبوظيفة أكبر من وظيفته فلم يقبل، وبتعيين ابنه في وظيفة لائقة فلم يقبل، فإذا لم ينفع الرجاء ولا الإغراء سلكوا معه طريق التهديد ، فهدد بالنقل إلى وظيفة أحقر. فقال: لا بأس، وقالوا: ننقلك إلى أقصى الصعيد. فقال: لا بأس، ونهملك فلا نسند إليك عملا. فقال: لا بأس، ونتهمك بأنك غير كفء وأنك لا تصلح لعمل، فقال: لا بأس. واستمر على عناده لا يعبأ برجاء ولا إغراء ولا تهديد، فهذا رجل ثقيل.

والرجل الثقيل رجل عالم في الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع، أداه بحثه إلى نظرية رأى صوابها وخالفه كل من حوله من رجال فنه، فلم يعبأ بذلك وجاهر برأيه، فسلقه الناس بألسنة حداد وقالوا: هل أنت وحدك المحق وكل هؤلاء العلماء الكبار على باطل؟ فلم يعبأ بقولهم؛ أو سياسي رأى الاتجاه السياسي للأمة خطأ مع إجماع الساسة عليه، فجهر برأيه وتحمل النقد الشديد في صبر وحزم، وظل يعلن عن رأيه بكل الوسائل المشروعة، أو أديب رأى الأدب العربي فيه ضعف وفيه قوة، فعرض لذلك في صراحة وإن خالف الناس وإن اتهم بقلة ذوقه وعدم وفائه للغته وأدبه، أو اجتماعي رأى الأمة كلها تتردى في نقيصة من النقائص الاجتماعية، فثار عليها وطالب بإصلاحها متحمسا لا يأبه بنقد ولا يكترث لمخالف، فهذا رجل ثقيل أيضا.

والثقلاء عندنا قليلون يعدون على الأصابع، والكثرة العظمى ظرفاء يجاملون - ولو على حساب المصلحة العامة - ويقبلون الرجاء ويعدون بتنفيذه ولو كان مستحيلا، ويوافقونك على رأيك ويوافقون غيرك على رأيه ولو تناقض الرأيان، ويسمعونك الكلام الحلو العذب ولو أضمروا خلافه، ويفضلون ضياع الوقت في مقابلات على صرفه في إنجاز العمل وقضاء مصالح الناس، ويرعون في أحكامهم خاطر فلان وخاطر فلان ومصلحة فلان ومصلحتهم هم وكل شيء إلا الحق، ويجملون ظاهرهم إلى أقصى حد ولا يهمهم تجميل باطنهم إلى أي حد، ويعنون أشد العناية بالكلام الأنيق واللباقة في الحديث واللياقة في التصرف، ولا يعنون أية عناية بالعدل في الكلام والعدل في العمل والعدل في التصرف.

فاللهم أكثر من ثقلائنا وقلل من ظرفائنا.

| كناس الشارع!

هذا كناس الشارع بوجهه الذي علته طبقة من جنس ما يكنس وثيابه الممزقة المتهدلة، وبيده مكنسته التي يثير بها الغبار على نفسه وعلى الناس، ويبرز من عبه نصف رغيف من الخبز الجاف أعده للأكل عندما يعضه الجوع.

وهذا ملاحظه ببذلته التي تشبه البذلة العسكرية، وبكبريائه التي تشبه كبرياء الضباط على الجنود، وكبرياء الجنود على الباعة الجوالين، وبيده عصا من خيزران خفيفة الحمل جيدة اللسع قد أهوى بها على الكناس لسبب لا أدريه، فتلقى الكناس ذلك بسكون ظاهر وغيظ مكتوم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٨٩