تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أن يختفي الزعماء وراء الستار ويوحوا إلى الطلبة بالعمل، وهم لا يعملون فضرب من الخلق تأباه الكرامة، ووضع للأمور في غير موضعها، وهرم مقلوب أو حصان وراء العربة.

إن كان هذا الرأي صحيحا أمكننا أن نسوق بعض المسائل التطبيقية التي تتجلى في ضوء هذه النظرية:

أولا:

من الخطأ المحض أن ينغمس مدير جامعة أو عميد أو أستاذ في الحزبية السياسية، ويصبغ تصرفاته بهذا اللون، فيحابي بعض الطلبة لأنهم من حزبه ويضطهد آخرين؛ لأنهم من غير حزبه، أو يسلك هذا المسلك في ترقيات الأساتذة وحرمانهم، أو يمشي في ركاب الزعماء ويصفق لهم، أو ينفذ بعض المشروعات والأغراض التي يوحي بها الحزب القائم مجاراة له، ولو خالفت المصلحة في نظره ونحو ذلك من مظاهر عديدة.

هذا كله هدم لاستقلال الجامعة في التفكير وإفساد لأخلاق الشبان والمدرسين؛ إذ يرون الحزبية الضالة أجدى عليهم من الجد والاستقامة والشرف، ولأن هذا يجعل الجامعات مسرحا للأحداث والانقلابات تبعا للتقلب السياسي. وليس لهذا خلقت الجامعة، فإنما شيدت منارا تهتدي به الأمة كلها على اختلاف أحزابها ومركزا للنظريات العلمية والأدبية والسياسية الحرة، ولو خالفت جميع الأحزاب.

وثانيا:

من الخطأ الفاضح كذلك أن تتلاعب الأحزاب المختلفة بالطلبة، فيجعلوهم وسيلة لاستردادهم الحكم إذا كان الحزب مغلوبا، وللدفاع عن الحزب إذا كان الحزب غالبا، وحرام أن تضيع أعمار طلبة في سبيل من يتولى الحكم، وحرام أن يلعب الساسة بهم فيختفوا ليظهر الطلبة، ويستريحوا ليتعب الطلبة، وينعموا ليشقى الطلبة، ويغنموا ليضحي الطلبة.

ولو أدرك المسئولون ما يحدث للطلبة في إضراب يوم واحد لقلقت ضمائرهم ودميت مشاعرهم.

إن الطالب للعلم وللخلق - أولا - وللسياسة ثانيا. ولا يكون للسياسة إلا إذا كانت سياسة قومية، بل لا يكون للسياسة القومية إلا إذا كانت سياسة قومية حقة لا سياسة قومية مزيفة تحت ستار الحزبية. أما الساسة فوظيفتهم السياسة أولا وآخرا، فإذا احتاج الأمر إلى التضحية فليضحوا هم أولا وليظهروا في الميدان أولا، ولا يستغلوا طهارة قلوب الطلبة ليخدعوهم، ولا يستكثروا عددهم ليلعبوا بهم؛ فإن اللعب بهم جريمة لا تغتفر، فالجامعة بأساتذتها وطلبتها منار الأمة كما قلت، فإذا فسدت أظلم الجو كله.

وكما نقول للطلبة والأساتذة والعمداء: كفوا عن السياسة الحزبية واعملوا للعلم والخلق والوطن، نقول للساسة: أشفقوا على أبنائكم فلا تزجوا بهم في السياسة الحزبية، وقدروا ما تجنونه على الأمة من ضياع العلم بإفساد السياسة، وضياع الخلق بالمكافأة على غير الجد في العمل والنبوغ فيما أنشئت له الجامعة.

| الرجل الثقيل

الرجل الثقيل: هو من كان وزيرا أو مديرا فحدد لمقابلة الناس موعدا من الساعة الثانية عشرة إلى الواحدة في يومي السبت والخميس - مثلا - ليسمع شكوى الناس ورجاءهم وظلاماتهم، ثم خصص ما عدا ذلك من الوقت للمصلحة العامة يدرس مسائلها ويصرف شؤونها، فإذا جاءه أحد مهما كان عظيما - باشا من الباشوات أو نائبا من النواب أو شيخا من الشيوخ - اعتذر عن عدم مقابلته لأنه لم يأت في الموعد المحدد من قبل أو لم يطلب موعدا خاصا يقابله فيه، فهذا رجل ثقيل.

والرجل الثقيل من رجوته في علاوة موظف أو ترقيته أو نقله من قنا إلى القاهرة، فدرس مسألتك ثم قال لك في صراحة: إنه لا يستطيع ذلك لأن قواعد العدل تأبى إجابة طلبك، فمن رجوتني فيه لا يستحق الترقية لأنه غير كفء، أو لا يستحق النقل من قنا إلى القاهرة لأنه لم يقض فيها المدة المعقولة - فهذا ثقيل أيضا.

والرجل الثقيل من عهد إليه رئيسه درس مسألة أو كتابة تقرير عنها ولمح له برغباته، وأشار له بمقاصده، فذهب هذا المرءوس ودرس المسألة من جميع وجوهها ورأى الحق في غير ما لمح به الرئيس، فسمع لصوت ضميره لا لصوت رئيسه، وكتب التقرير بما يراه هو أنه الحق لا بما يراه رئيسه تحت ضغط رجاء أو رغبة في منفعة شخصية، فهذا أيضا ثقيل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٨٨