تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أذن له السلطان، إذ لم ير بدا من ذلك، وأركبه البريد وأوصى به خيرا حيثما حل، وأمر الولاة أن يمدوه بالمال الذي يريد.

ها هو ذا يوسف يتنقل من بلد إلى بلد، والكرم يتدفق عليه، إذ هو ضيف السلطان ونجيه ومأمله، حتى إذا وصل إلى غزة وأقام بها أياما، غافل من معه وشمع الفتلة

1

واختفى، ثم يبحثون عنه ويبحثون، فلا يقفون له على أثر.

وتتبخر الآمال وتنهار القصور التي شيدت في الخيال.

وفي يوم من أيام ذي الحجة من هذا العام يعثر عليه مختفيا في إخميم، وإذا كل أعماله نصب واحتيال، وإذا الناس كبيرهم وصغيرهم يستكشفون أنهم مغفلون، وإذا السلطان يحكم عليه أن يسمر ثم يشهر على جمل.

وإذا الستار يسدل.

| الحلف العربي

كتب إلي صديق سوري يقول: «أليس عجيبا أن يقف رجال الفكر في العالم العربي موقفا سلبيا، فيكتفوا بقراءة الأخبار والأحداث من غير أن يكونوا لأنفسهم رأيا في مستقبلهم؟ أوليس من العجيب أن يقرأ العالم العربي أن إنجلترا تؤلف هيئة رسمية لبحث تنظيم العالم بعد الحرب، ويخطب الخطباء من الإنجليز والأمريكيين في مستقبل العالم بعد الصلح، ولا نسمع أن أولي الرأي في العالم العربي فكروا أو اجتمعوا لبحث موقفهم وما يؤول إليه مصيرهم، كأنهم عبيد تركوا تدبير شئونهم لسادتهم؟! أوليس عجيبا حقا أن تمتلئ أعمدة «الثقافة» بالكلام في اليابان وروسيا، والقانون الدولي، وما إلى ذلك، ثم لا يمتلئ عمود واحد فيها في موقف العرب، ومصير العرب، وآمال العرب، كأن الأمر لا يعنيكم، فكنتم في ذلك كالحاضنة بيض غيرها وهي تترك بيضها في العراء؟ ولست أظن أن السياسة تحول بينكم وبين ما تبدونه من آراء، لأن عرض هذه المسائل فيه مصلحة مزدوجة للأمم العربية، فتحدد مصيرها وتحرك أفكارها وتفتح آمالها، والأمم الصديقة فتعرفها ما يجول بخاطر العرب وما تتطلبه وما تأمله» إلى آخر ما قال.

وهو كتاب ممتع طويل، أجتزئ منه بهذا القدر؛ لأنه هو الذي يهمنا في موضوعنا اليوم، وكلام الصديق كلام حق، ولكني آسف أشد الأسف؛ لأن الموضوع شاق عسير متشعب النواحي، يحتاج الكاتب فيه أن يدرسه دراسة واسعة عميقة، وأن يطيل التفكير في كل رأي يبديه، وقد علمنا التعليم الجامعي ألا نكتب إلا بعد درس، ولا نخط كلمة إلا بعد تفكير، فإن قصدت - أيها الصديق - من كتابك أن أكتب في هذا الموضوع كتابة جدية مستوفاة، فإني أعتذر إليك؛ لأن الأسباب كلها لم تهيأ لي، أما إن أردت أن أقول بعض كلمات فطيرة لا يكون الغرض منها إلا توجيه النظر ، وإثارة ذوي الرأي، وفتح الكلام في الموضوع، واستعراض بعض المسائل الهامة، فذلك في إمكاني.

في ذهني صورة لحلف عربي هي مجال للأخذ والرد، والتعديل والتبديل، وهي أن يتكون الحلف العربي الآن من دول أربع: مصر والسودان وحدة، والشام وفلسطين ولبنان وشرق الأردن وحدة، والعراق وحدة، وبلاد العرب وحدة، وأن تكون كل وحدة مستقلة في شئونها الداخلية، وأن تربطها مع سائر الوحدات روابط ثقافية واقتصادية وسياسية، فأما الروابط الثقافية فأن تكون لكل وحدة جامعة تكون منارة للحركة العقلية، تتكون حسب ظروف كل وحدة وبيئتها ومقدار ثقافتها، وأن تعنى كل جامعة العناية الكبرى بتاريخ أمتها وطبيعة إقليمها وتراثها القديم بجانب الثقافة العامة المشتركة، وأن يكون لكل جامعة مجلسها وإدارتها، وبجانب ذلك يكون مجلس أعلى تمثل فيه كل الجامعات، وهو الذي يقرب بين نظمها ويوحد - بقدر الإمكان - اتجاهها، ولا يتدخل إلا في المسائل العامة التعليمية، وأن تتبادل هذه الجامعات المنتجات العلمية، فتتبادل المؤلفات والمجلات، وتتبادل الأساتذة، وتتبادل رحلات الطلبة والأساتذة، وتسهل وسائل التحاق الطلبة في كل إقليم بأي جامعة حسب شهرة أساتذتها ونبوغ كل في فرع من فروع التعليم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٥٣