وقد ظفرت بما لم يؤته ملك
لا المنذران ولا كسرى بن ساسان
ولا ابن هند ولا النعمان صاحبه
ولا ابن ذي يزن في رأس غمدان
وستكون إن شاء الله بهذا أغنى الأغنياء وأعظم العظماء، تقتني من المال ما أردت، وتسود على الأنام بما شئت وكيف شئت.
ومع هذا كله فإن لم تقتنع بالمنطق فاقتنع بالتجربة، فأتى له «بهارد» بقليل من الرصاص، وأفرد له غرفة يجري عليها تجاربه، فأشعل النار وطبخ ثم أشعل وطبخ، وأخرج حقا فيه إكسير وأضافه، فإذا المزيج ذهب.
جن جنون الأمير «بهادر» وتمنى الأماني وسبح في الأحلام، وجمع ليوسف الكيمياوي كثيرا من النحاس والرصاص، وأعطاه كثيرا من الأموال لينفق منها على إحالة هذه المعادن ذهبا خالصا، ولكنه تعلل مرة بفساد الإكسير ومرة بخطأ التجارب، وأخيرا غافل صاحبه وفر إلى دمشق، وأراد أن يمثل مع واليها الرواية التي مثلها أمام «بهادر»، ولكن ساء حظه فعلم بأمره فأراد قتله.
وهنا أدته حيلته أن يملأ دمشق ضوضاء وجلبة، وأنه يريد السلطان حتى يملأ خزائنه ذهبا وفضة، وتحدث الناس به بين مصدق ومكذب، ولم يجرؤ نائب دمشق على قتله بعد أن ذكر اسم السلطان ورسالته إليه، وانتقل خبره من دمشق إلى مصر، وإذا بالبريد يأتي من السلطان إلى دمشق في طلب يوسف الكيمياوي.
دخل يوسف إلى مصر في السابع عشر من رمضان، فأنزله السلطان في بيت أمير، وأجرى عليه الرزق الوفير، ورتب له عدة من الخدم يتولون أمره حتى يختبر صدقه، فطلب يوسف أنواعا من الآلات ورسمها وبالغ في تركيبها وتعقيدها، فصنعت له، وحدد يوم للتجربة، فاحتفل به السلطان وشكل مجلسا فخما لامتحانه، هذا ناظر الجيش، وهؤلاء عدة من الأمراء، وهذا نقيب الصاغة ومعه جمع من الصياغ، وأوقدت النار وأحضرت الآلات، وطلب يوسف نحاسا وقصديرا وفضة، فوضعها في بوتقة ووضعها على نار حامية حتى ذاب الجميع، فأخرج من جرابه إكسيرا وضعه على الخليط المذاب، وصبر عليه برهة ثم أنزل البوتقة من على النار، فأفرغوا ما فيها فإذا سبيكة من ذهب كأجود ما يكون، زنتها ألف مثقال، وامتحنها شيوخ الصاغة، فأفتوا بأنها ذهب خالص لا شبهة فيه.
سر السلطان بذلك سرورا عظيما ودهش الحاضرون، وأنعم السلطان عليه بهذه الألف من الذهب، وبالغ في إكرامه وأركبه فرسا سلطانيا مسرجا ملجما بحرير، ومنى نفسه أن هذا الكيمياوي سيجعل له كل حديد مصر ونحاسها وقصديرها ذهبا.
وما هي إلا ساعة حتى انتشر الخبر في المدينة أن قد ظهر رجل عجيب يحيل كل شيء ذهبا بإذن الله، فما هو إلا أن تقدم له قطعة من حديد، أو إناء من نحاس، أو كتلة من رصاص حتى يعزم عليها ويجعلها ذهبا خالصا، وها قد قتل الفقر وذهب البؤس، وسيسيل الذهب في مصر سيلا ويتدفق أنهارا، وسوف لا يكون بعد اليوم فقير ولا مسكين، وكان أحرص الناس - أول الأمر - على أن يغتنوا الحاشية، فقد قدموا المال الكثير ليوسف وقدموا له النحاس والحديد الكثير ليقلبه لهم ذهبا، وهو يلعب بهم ويستخف عقولهم ويضحك على هذا بجزء من الذهب مما سلبه من ذاك، وهكذا.
وأراد السلطان أن يستوثق من الأمر مرة أخرى، فأجرى يوسف أمامه التجربة ثانية فأخرج له سبيكة ذهبية كالأخرى كاد يطير بها فرحا.
وتدفق على يوسف المال من كل جانب، وعاش عيشة البذخ والترف، وأفرط في اللهو، ومرت عليه أيام سرور ومتعة لا ينعم بمثلها إلا القليل.
والسلطان يستحضره بالليل ويناجيه، ويعرض عليه المشروعات الضخمة التي ينوي القيام بها من وراء الذهب المصنوع، ويوسف يسايره ويحبك له خياله.
والناس يأتون إلى يوسف يعرضون عليه الأموال والحديد والقصدير، وهو يعدهم ويمنيهم، وأخيرا قابل السلطان وقال له: إن الإكسير قد فرغ.
السلطان :
إذا فاصنع غيره.
يوسف :
إنه مركب من نبات وأعشاب لا تنبت في مصر، وإنما تنبت في الكرك. - سمها لي وصفها أبعث بالبريد من يحضرها. - إنها سر أخذت على الله عهدا ألا أذيعه، وإذا أذعته فسد الأمر علي وعليك، إذ يستطيع كل إنسان بعد أن يحصل على الإكسير فيحصل على الذهب، وهو أمر حرصت أن يكون لك وحدك، وسر اخترت أن أخصك به، فأنت ولي الأمر، وهو في يدك مصلحة، وفي يد غيرك مفسدة. - فما العمل؟ - تأذن لي أن أسافر إلى الكرك وأستحضر منه قدرا كبيرا صالحا لتنفيذ مشروعاتك الضخمة.