ثم رأينا الأسلاك تخرم البيت، وتخرم كل حجرة فيه وتدخل بيتنا الكهرباء، فندير المفتاح مرة فتضيء الحجرة، ونديره مرة فتظلم. وأبى الله إلا أن يرزقنا هذه المرة أيضا بخادم خطبت في قريتها وأرادت السفر لتتزوج، فطلبت منا أن نعطيها لمبة من اللمبات الكهربائية أو لمبتين لتنيرهما في حجرتها ليلة زفافها؛ وكان لهذا الخادم فصل أظرف من هذا وألطف؛ فقد نظرت أول ما أتت من قريتها إلى السقف فلم تر فيه عروقا تحمل ألواح الخشب؛ (لأنه كان من الأسمنت المسلح) فصعدت إلى السطح لتحقق الأمر لعل السقف مقلوب، ولعل العروق من فوق والأخشاب من تحت، فلما لم تر عروقا فوق ولا تحت، أحست بالخيبة في تعليلها، وفوضت إلى الله أمرها ... •••
ثم دار الزمن دورته وإذا بعامل يأتي ليخرم البيت من جديد، وإذا بالأسلاك تمتد وآلة صغيرة تركب وجرس يدق، وإذا بالتليفون، وإذا بنا نتصل بمن في القاهرة وضواحيها، بل بمن في أنحاء القطر، ويتصل بنا من أحب؛ وأحسست إذ ذاك أن البيت قد استوفى حظه من الحياة كما يستوفيها الجسم الحي الراقي من شرايين وأوردة على أدق ما تكون من نظام - وكان لي مع التليفون متاعب أود معها لو لم يكن، وأحيانا محامد أحمد الله أن كان - فقد كنت قاضيا، وبيتي وحده من بين القضاة فيه تليفون يصلني برئيس المحكمة، فقد يتغيب قاض فجأة عن الجلسة فيدق التليفون - آلو - انتدبنا كم اليوم لمحكمة العياط، ومرة أخرى لمحكمة الصف، وقد يكون الجو قاسيا، حر يذيب رأس الضب، أو برد يقف منه الجلد. على كل حال، كثيرا ما كان نذيرا بشر، وكثيرا ما كان بشيرا بخير. •••
وأخيرا أتى العامل أول أمس يزيد الأحزمة حزاما، ولكنه في هذه المرة حزام ناقص - خط رأس وخط أفقي، وآلة لا يأبه لها النظر، وفي ذلك سر عجب، هذا هو الراديو - فيه علم إن شئت، وفن إن أردت، وناطق إن أصغيت، وساكت إن أعرضت، ومتحدث بكل لسان، وواصلك بكل مكان. إن شئت معلما فمعلم، أو غناء فمغن، أو فنا ففنان - يهزل حيث تحب الهزل، ويجد حيث تهوى الجد، يمتاز عن التليفون بأن التليفون طالب ومطلوب، فإذا كان طالبا فقد يفجعك بخبر، أو يوقظك من نوم، أو يحملك مطلبا يشق عليك. أو يصلك بمحدث يثقل على نفسك، ثم تريد أن تتخلص منه فلا تستطيع فقد لزم الأمر، وحم القضاء. أما الراديو فليس إلا مطلوبا، وهو عبد مطيع، وخادم أمين. إما ساكت أو متكلم بما أحببت، نديم ظريف، جهينة أخبار، وحقيبة أسرار، ترياق الهم، ورقية الأحزان، قد تكون له مساو لم أتعرفها، فإن جربتها فسأحدثك عنها.
أين أنت أيتها الخادمة التي عجبت من حنفية الماء، وأين أنت أيتها الأخرى التي عجبت من مصباح الكهرباء، ولو كنتما اليوم في بيتنا لشاركتكما العجب، ولوقفت معكما حائرا من العلم الحديث، والفن الحديث، ولانفردت عنكما بالحزن العميق على أن ليس لنا من هذه المخترعات إلا المشاركة في الاستهلاك لا في الإنتاج، وأننا - في مواسير الماء ومصابيح الكهرباء، وآلات الراديو والتليفون، وما إلى ذلك من شؤون المدنية - لنا أن نشتري وليس لنا أن نبيع لنا أن نكون من النظارة، ولكن ليس لنا أن نكون من الممثلين، ولنا أن نستورد ولكن ليس لنا أن نصدر.
إن كنت أيها الراديو قد دخلت البيت أخيرا فلست آخر ما يدخل، فهم يحدثوننا عن سلك آخر سيدخل قريبا يحمل الصور كما تحمل أنت الصوت؛ فإن كنا الآن نسمع لك فسنسمع بعد ونرى. ومن يدري! لعل أسلاكا أخرى تدخل فتوزع الحرارة والبرودة بقدر، وأسلاكا وأسلاكا؛ بل لعل هذه الأسلاك لا تعجب الجيل القادم فيراها بعد أن يتحرر رمزا لعصر بغيض أولع الناس فيه بالقيود حتى سلسلوا بيوتهم بهذه السلاسل، وسيهزأون بهذا النوع من الحياة الساذجة التي تستعين على الرغبات بالمواسير والأسلاك، وسينظرون إلينا كما ننظر نحن إلى سكان ما قبل التاريخ، وسيعجبون إذا فرحنا باتصالنا بأهل الأرض مع أنهم اتصلوا بأهل السماء. وستعود البيوت من غير أسلاك ولكنها وافية بالمطالب التي نستمتع بها. والتي نصبوا إليها، والتي لا يقدر أجيالنا الآن حتى على الحلم بها، ويخلق ما لا تعلمون.