كان بين سكان الحارة رابطة تشبه الرابطة بين أفراد القبيلة، يعتز الأولاد بحارتهم ويهتفون بها في النداء، ويكون بينهم وبين أولاد الحارة الأخرى منافرة فيحتكمون إلى القوة، ويعتزون بالناشئ الشجاع يظهر بينهم يذود عنهم، ويجلب النصر لحارتهم - ويرعى سكان الحارة حق الجوار بأدق معانيه، يعودون أحدهم إذا مرض، ويهنئونه إذا عوفي، ويواسونه في مأتمه، ويشاركونه في أفراحه، وهم في ذلك سواسية، لا يتعاظم غني لغناه، ولا يتضاءل فقير لفقره.
وكان لكل بيت من بيوت الطبقة الوسطى منظرة (مندرة) لاجتماع الأصدقاء في إحداها. فيسمرون فيها السمر الحلو اللطيف، وأحيانا يجتمعون فيحلو لهم العشاء معا فيرسل كل رسولا إلى بيته يحضر منه خير ما عنده، وأحيانا يحيون الليلة في سماع قرآن أو حفلة طرب؛ ولحسن حظي كان بجوار بيتنا موظف في الأوقاف يهوى الناي ويتقنه، فكان كثيرا ما يحيي أصدقاؤه في منظرته حفلات شائقة بديعة، إليها يعود الفضل فيما لي من أذن موسيقية، وميل لسماع الغناء والافتنان به. •••
كان من المناظر التي لا أنساها طائفة من الرجال، قد لبس كل منهم على جلبابه الأزرق ميدعة من الجلد، يحمل القربة على ظهره ويمشي بها في ركوع، وهم يغدون في الحارة ويروحون، ينادي أحدهم بعد أن يفرغ قربته في الزير: «سقا عوض»، وهي كلمة كنت أفهم منها المناداة على الماء، ولكن ما كنت أفهم معناها تفصيلا، بل لعلني لم أفهمه إلى الآن. فإذا سمعته سيدة أطلت من الشباك وأمرته أن يأتي لها بقربة حلوة أحيانا، ومالحة أحيانا، وربما تصنعت في مناداتها فرققت من صوتها وتدللت في نغمتها، فكانت فتنة للسامعين.
وكثيرا ما طال النزاع بين السقاء وربة البيت، فهو يقول: إن القرب صارت سبعا، وهي تأبى إلا ستا، ويطول الحوار والجدل والقسم بالأيمان، وأحيانا يتفادى السقاء هذا الجدل بطريقة من طريقتين: إحداهما أن يوزع خرزا، من نوع خاص على صاحبة البيت عشرا عشرا، أو عشرين عشرين، وكلما أتى أخذ خرزة، فإذا فرغ الخرز علم أنه تم العدد فأخذ حسابه. وثانيتهما أنه كلما أتى بقربة خط على الباب بحجر أبيض خطا - ولم يكن يعرف الطباشير ولا كتابة الأرقام - وأحيانا يتهم السقاء ربة البيت بأنها مسحت خطا، وأحيانا تتهمه هي أنه خط خطين لقربة واحدة، فإذا تكرر مثل ذلك أبى السقاء معاملة هذا البيت إلا أن يأخذ نصف القرش ثمن القربة الحلوة قبل أن يتحرك من مركزه أمام باب الحارة.
وفي يوم من الأيام حول سنة 1900 رأيت الحارة قد مزقت وحفرت فيها الحفر طولا وعرضا، ومدت المواسير وأدخلت في بيتنا الحنفية واستغنينا عن السقاء، وأراحنا الله من سماع النزاع حولنا، وأصبح الماء في كل طبقة من بيتنا، في أسفله وأوسطه وأعلاه، وشعرت أن البيت قد دبت فيه الحياة. فالله يقول: «وجعلنا من الماء كل شيء حي». وما أنس لا أنس خادما أتت منزلنا إذ ذاك من قرية من قرى الفلاحين فعجبت أشد العجب من الماء يخرج من الحائط ثم لا ينقطع إلا إذا شئنا، وحارت في تعليل ذلك، وأظنها حائرة إلى اليوم إن كانت على قيد الحياة. •••
وألفنا الماء يخرج من الحائط، وذهب لإلف بالعجب، ولكن ظللنا نستضيء بالجاز، وهو ما يسميه سادتنا العلماء زيت البترول، وكان لمضايقاته أشكال من العذاب وألوان، فيوم ضربت لأني أرسلت لأشتري زجاجة لمبة فكسرت مني في الطريق، وكثيرا ما فسد ... فإذا أدرناه يمينا أخذ يرتفع اللهب ثم يرمينا بالهباب، وإذا أدرناه شمالا أخذ يهبط حتى لا نرى، وهكذا دواليك، حتى يضيق الصدر ويذهب إلى النوم قبل الموعد. وكثيرا ما نكون في سمر لذيذ أو حديث ظريف أو قراءة ملحة، ثم نسمع الزجاجة كسرت فيكسر قلبنا؛ لأن الوقت ليس وقت بيع وشراء، أو ننظر فإذا الجاز قد فرغ ولا جاز لنا!