تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 .

ونسبوا إلى أفلاطون أنه قال: إن رائحة الزعفران تسكن الغضب، وإذا قرن اللون الأحمر بالأصفر تحركت القوة العشقية.

ولإعجابهم باللباس المعصفر أو المزعفر شبهوا به الخمر، فقال ابن الوكيع:

فاشرب معصفرة القميص سلافة

من صنعه البردان أو قطربل

وقال ابن المعتز:

لبست صفرة فكم فتنت من

أعين قد رأينها وعقول

مثل شمس الغروب تسحب ذيلا

صبغته بزعفران الأصيل

وقال ابن الرومي في وصف شواء:

وسميطة صفراء دينارية

ثمنا ولونا زفها لك جؤذر

وأكثروا من مدح المرأة الصفراء واستحسنوها، ففي الأغاني أن متيم الهاشمية، ومحبوب المتوكلية، ودنانير البرمكية، كن صفرا مولدات، وسميت دنانير بذلك لصفرتها.

ومدحوا الزهور الصفر والثمار الصفر.

فمدحوا الآذريون وهو زهر أصفر وفي وسطه خمل أسود، قال فيه ابن المعتز:

كأن آذريونها

والشمس فيه كاليه

مداهن من ذهب

فيه بقايا غاليه

كما مدحو «الخيري» وهو المنثور الأصفر.

وكان عندهم نوع من الياسمين أصفر قال فيه الشاعر:

كأنما الياسمين حين بدا

يشرق من جوانب الكثب

عساكر الروم نازلت بلدا

وكل صلبانها من الذهب

ومدحوا التفاح الأصفر والخوخ الأصفر.

وتغزلوا بصفرة الخمر فقال أبو نواس:

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

لو مسها حجر مسته سراء

ويقول آدم بن عبد العزيز:

اسقني واسق خليلي

في مدى الليل الطويل

لونها أصفر صاف

وهي كالمسك الفتيل

وبالغوا في حب الصفرة حتى كانت القينة أحيانا تلبس الثياب المعصفرة أو المزعفرة، وتطلي ما ظهر من يديها ومن عنقها بالورس.

روى بعضهم قال: «رأيت جارية ببغداد وقد طلت يديها بالورس وفي عنقها طبل وهي تنشد:

محاسنها سهام للمنايا

مريشة بأنواع الخطوب»

وكثيرا ما قرنوا هذا اللون بالدلالة على الميل إلى الشهوات والفجور، ورمزوا للخليع بقولهم: إنه «يلبس المورس».

هذه ظاهرة غريبة تستحق الدرس، وأحق الناس بالفتوى فيها علماء الجمال الاجتماعي.

| الليل

في ليلة حالكة السواد، بعدت عن ضوضاء المدينة إلى مكان قصي على شاطئ البحر، أهرب بنفسي من جراثيم المدنية ووباء الحضارة، وأغسلها من أدران التقاليد والمواضعات، وأطهرها بالانغماس في عالم اللانهاية: في السماء والماء والجو الفسيح الذي لا يحده حد ولا ينتهي إلى غاية.

غاب فيها القمر فلعبت النجوم، ولو طلع لكسفها وهي أكبر منه حجما، وأعظم قدرا، وألمع ضوءا، ولكن دنيانا هذه يسود فيها التهويش حتى في القمر والنجوم.

كان سواد هذه الليلة أحب إلى نفسي من ضوء الشمس ونور القمر، فللنفس حالات تنبسط فيها، فيعجبها البحر الهائج، والوسط المائج، واللون الأبيض والأحمر، والنكتة اللاذعة، وتنقبض فتأنس إلى الليل الساكن، والوحدة المريحة، والسكون العميق، واللون القاتم. •••

لك الله أيها الليل! فما زلت بالفن حتى ملكته واحتويته، فجعل يشيد بذكرك، ويرفع من شأنك، حتى لم تجعل لأخيك النهار نصيبا يقاس بنصيبك، فاقتسمتما الزمان عادلة، واقتسمتما الفن قسمة جائرة!

فالمغني يقصر مناداته عليك، ولا يلتفت في هتافه إلا إليك، فإذا غنى بالليل نادى الليل، وإذا غنى بالنهار لم يخجل فنادى الليل أيضا، والآلات كلها تتبعه فتردد على أوتارها ما ردده المغني بكلماته؛ ثم كان اسمك على قلته وضئولته أداة طيعة في صوت المغني يوقع عليه ما شاء من نغمات: مرحة وحزينة، ومديدة وقصيرة، وعالية وهادئة، وباعثة للقوة والبأس والأمل، وداعية إلى الضعف والخمول والكسل.

وحتى المصور! لماذا شغف برسم غروب الشمس أكثر مما شغف بطلوعها؟ ما ذلك إلا لأن غروبها إيذان بقدومك وارتقاب لزورتك.

أما الأدب فله فيه الباع الطويل والقول الذي لا ينتهي. تداولت عليه الأدباء، فنقموا منه حينا، وتذللوا له حينا، من عهد الأستاذ امرىء القيس إذ يقول:

فيا لك من ليل كان نجومه

بكل مغار الفتل شدت بيذبل

إلى عهد الأستاذ محمد عبد الوهاب إذ يقول: «بالله يا ليل تجينا، وتسبل ستايرك علينا»

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١