أخشى أن يكون قادة الرأي فينا قد ملوا المقاومة فاستسلموا، وأن يكونوا قد استصعبوا الغاية فاستناموا، وأن يكونوا قد وقفوا مترددين قليلا بين عذاب الضمير وعذاب المعارضة فاحتملوا الأول، وأن يكونوا لطول ما لقوا قد رغبوا عن النظر إلى الأمام والتفتوا وراءهم إلى الرأي العام، فساروا أمامه في الطريق الذي يحبه هو لا الذي يحبونه هم، إن كان هذا فيالها من هزيمة.
أنى لنا بقادة في الرأي لا يتملقون إلا الحق؟
| اللون الأصفر
لفت نظري - وأنا أدرس الحياة الاجتماعية في العصر العباسي - ما رأيت من كثرة ما كتب عن اللون الأصفر في هذا العصر، وحلوله محلا كبيرا غطى على كل الألوان الأخرى، وكثرة ما قيل فيه من أدب، فرأيت أن أعرض على القراء شيئا منه وأترك لعلماء الجمال ما يدل عليه انتشار اللون الأصفر في الشعوب من تحديد درجة الذوق في الرقي، وعلاقته بانتشار الخلاعة، ودلالته على مقدار ما وصلت إليه الأمة من حضارة. •••
رأيت العراقيين هاموا باللون الأصفر وتغزلوا بالوجوه الصفر، وصبغوا ثيابهم بالصفرة، وافتتنوا بالزهور الصفر، وأكثروا من اتخاذ الطعوم الصفر، ومدحوا الجواهر الصفر، وهكذا.
روى الجاحظ أن من الأمثله المشهورة قولهم: «أهلك النساء الأصفران: الذهب والزعفران»، وهذا يدل على غرام النساء باللون الأصفر، وظهور هذا الغرام بحبهن للذهب والزعفران. أما حبهن للذهب فللونه؛ ولأنه خير أنواع المال. وأما الزعفران فقد كان له سلطان في بغداد أي سلطان، حتى لو سميت بغداد في ذلك العصر مدينة الزعفران لم تبعد؛ وقد جعلوا له قوة سحرية فقالوا: «إنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص»، وإذا حسن في عينهم شيء أصفر شبهوه بلون الزعفران كما قال آدم بن عبد العزيز:
شربت على تذكر عيش كسرى
شرابا لونه كالزعفران
وأكثروا من تلوين الطعام به. قال بديع الزمان في إحدى مقاماته: «ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتأخذ وجوه الزعفران».
وكان البغداديون يلونون الطعام ويكرهون أن يقدموه بلا تلوين، ويسمون الطعوم الغير ملونة «الطعوم المعتدة» تشبيها بالمرأة في العدة؛ لأنهم يكرهون منها أن تلبس الثياب الملونة، فكانوا يلونون الطعام بالزعفران وبالعصفر وهو أصفر أيضا.
وصبغوا بالزعفران ملابسهم. حكي أن الرشيد دخل على أخته علية بنت المهدي في يوم قائظ، فوجدها قد صبغت ثيابا بزعفران وصندل وجعلتها على الحبال لتجف، فجعلت الرياح تمر على الثياب فتحمل منها ريحا بليلة عطرة، فوجد لذلك راحة من الحر.
وكتبت جارية على قباء معصفر:
وما البدر المنير إذا تجلى
هدوا حين ينزل بالعراق
بأحسن من بثينة يوم قامت
تهادى في معصفرة رقاق
وقد كثرت أسماء الثياب الصفر فسموا:
التخمة:
الثياب المخططة بالصفرة.
والرداعة:
القميص لمع بالزعفران والطيب.
والسبنية:
نسبة إلى سبن قرية بنواحي بغداد، وهي ثياب من حرير فيها أمثال الأترج (الأصفر).
والثياب المحرضة:
وهي المصبوغة بالإحريض وهو العصفر.
والثوم الممصر:
قيل هو المصبوغ بصفرة خفيفة.
والثوب المورس:
المصبوغ بالورس وهو نبت أصفر يصبغ به.
وأكثر ما كانت العصائب التي تتزين بها النساء عصائب مصبوغة بالزعفران وشيت بخيوط من الحرير وطرزت بسلوك من ذهب.
وقالوا: أجمل شيء غلالة معصفرة على جارية.
وحكى التنوخي في نشوار المحاضرة: «أن الخليفة المتوكل اشتهى أن يجعل كل ما تقع عليه عينه في يوم من الأيام شربه أصفر، فنصبت له قبة صندل مذهبة مجللة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر، وجعل بين يديه الدستنبو
1
والأترج الأصفر وشراب أصفر في صواني ذهب، ولم يحضر من جواريه إلا الصفر، عليهم ثياب قصب صفر، وكانت القبة منصوبة على بركة مرصعة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر ليصفر الماء، ويجري من البركة أصفر، ففعل ذلك وطال شربه، فنفد ما كان عندهم من الزعفران، فاستعملوا العصفر، ولم يقدروا أنه ينفد قبل سكره فنفد، فلما لم يبق إلا قليل عرفوه وخافوا أن يغضب إن انقطع ... فلما أخبروه أنكر أنهم لم يشتروا قدرا عظيما، وقال: إن انقطع هذا تنغص يومي، فخذوا الثياب المعصفرة بالقصب فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ ... فحسب ما لزم ذلك من الزعفران والعصفر ومن الثياب التي هلكت فكان خمسين ألف دينار»