قل انظروا ماذا في السماوات والأرض
هو نوع من العقل قد مزج بنوع من الشعور، وقد امتاز به الشرق عن الغرب قديما، ومن ثم كان مبعث الأديان ومصدر الإلهام.
في هذا الضرب من التأمل يجد الإنسان نفسه حيث لا يجدها في هزل ولا جد، وفيه يعرف نفسه على حين أنه يعرف غيره أكثر مما يعرف نفسه، وفيه يجلس إلى نفسه ويصادقها ويصارحها، على أن أكثر الناس يجالسون الناس ولا يجالسون أنفسهم، ويصارحون الناس ولا يصارحون أنفسهم، ويصادقون الناس وهم أعداء لأنفسهم.
وأظن أن في الاستطاعة أن يوضع برنامج متسلسل للتأمل كبرنامج القراءة والكتابة وتعلم اللغات وتعلم العلوم، يبدأ فيه بألف باء التأمل، وينتهي بائه إن كان له ياء، وتخصص له حصص يومية كحصص المواد العلمية، وإن كانت حصصه تمتاز بأنها في ميسور كل إنسان، ليست تحتاج إلى مدرسة يتردد عليها، ولا إلى معلم يؤجر، ولا أدوات وكتب يتداولها، إنما هي من قبيل تربية النفس بالنفس، وليست تحتاج إلى مران واعتياد وعرفان بكيفية السلوك.
أول دروسها أن تخلو بنفسك، ولا يكون ذلك إلا في هدوء وسكون، وخير أن يكون في ظلام، ثم تجرد في هذه الحصة من شواغل الدنيا وهمومها، واستعرض نفسك من حيث بدنك كيف تؤذيه ببعض عاداتك، وهل تدبره تدبير عاقل حكيم، أو مستبد جاهل، وما خير الوسائل لإصلاح ما تقع فيه من أغلاط؟
وتدرج من هذا التأمل في ناحية أخرى نحو علاقتك بعقلك، وعلاقتك بالناس واستعراض ما يكون منك ومنهم.
وأرق إلى خطوة ثالثة تسائل فيها نفسك: ما غايتك وما مبادئك في الحياة؟ وهل وضعت لها خططا؟ وما مقدار تقدمك إليها أو تأخرك عنها؟
سيسلمك ذلك - من غير شك - إلى خطوات أوسع، وتأمل أعمق حسب جهدك واستعدادك؛ وستكون لك في النهاية فلسفة لا من جنس فلسفة أفلاطون وأرسطو، ولكنها فلسفة شخصية قد بنيت على تأملك وشعورك لا على حفظك وقراءتك. وستتصل من هذا الطريق بأفق أوسع وملكوت أعلى.
في الحديث: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا»، ولعل هذا الضرب من التأمل ينبههم في حياتهم، من غير أن ينتظروا أن يتنبهوا بموتهم.
ربما كان هذا ضربا من التصوف يتفق وروح العصر، وإن شئت فقل: إنه نوع من التصوف على أحدث طراز وأبدع نمط، يبعث على الحياة لا الموت، ويدعو إلى النشاط والعمل لا إلى الخمول والسأم. ولعل الإنسان يجد في الركون إليه بعض أوقاته راحة مما رمتنا به المدنية الحاضرة من عناء، وما أرهقتنا من عنت. ولعلنا نستروح من هذا البرنامج نسيم الراحة فيراجعنا نشاطنا، وتثوب إلينا قوتنا، وتعود إلينا نفوسنا.
| ملق القادة
لست أعني بهذا العنوان أن يتملق الجمهور قادتهم فيظهروا لهم الود والإعظام بحق وغير حق، فذلك شيء قليل الخطر، فاتر الأثر، وإنما أعني أن يتملق القادة الرأي العام فيسيروا على هواه ويجروا مجراه، ويأتوا ما يحب، ويذروا ما يكره، فهذا هو الداء الدوي والعلة الفادحة.
ومن أسوأ ما أرى في الشرق في هذه الأيام هذه الظاهرة، ظاهرة أن يحسب القادة حساب الرأي العام أكثر مما يحسب الرأي العام حساب القادة.
هذه الظاهرة جلية واضحة في قادة العلم، فهناك أوساط تقدس العرب كل التقديس، وتعتقد أنهم في حكمهم عدلوا كل العدل، ولم يظلموا أي ظلم، فقادتهم يتملقونهم ويستخدمون معارفهم للوصول إلى هذه النتائج التي ترضيهم، سواء رضي العلم أم لم يرض، وسواء أوصل البحث إلى هذه النتائج أو إلى عكسها. وهناك أوساط تعبد كل غربي من عادات وتقاليد وآداب، فقادتهم يختارون اللفظ الرشيق، والأسلوب الأنيق لتأييد هذه الآراء، ولا عليهم في ذلك أن كانوا يحقون الحق أم يؤيدون الباطل.
وهي ظاهرة في قادة الأدب؛ فإن أحب الجمهور روايات الحب والغرام ألفوا فيها وأكثروا منها، وإن أدركوا أن تصفيق الجمهور يكون أشد كلما كان الحب أحد، تسابق الأدباء إلى أقصى ما يستطيعون من حدة وعنف، ومهروا في أن يستنزفوا دموع المحبين، ويهيجوا عواطفهم، ويصلوا إلى أعماق قلوبهم. وإن كره الناس أدب القوة فويل لأدب القوة من الأدباء! هو سمج، وهو جاف، وهو لا قلب له؛ وإن كان الجمهور لا يقبل إلا على الأدب الرخيص فكل المجلات أدب رخيص؛ لأنه كلما أسرف في الرخص غلا في الثمن؛ وإن بدا الجمهور يتذوق الجد تحولوا إلى الجد وداروا معه حيث دار.