وهو سؤال له دلالته ومغزاه. فأكثر الناس لا يفكرون، وإن ظنوا أنهم فيما يقرءون ويكتبون يفكرون، وأكثر الناس يفقدون أنفسهم في ثنايا صحفهم وكتبهم.
ولأمر ما كان النبي
صلى الله عليه وسلم «يخلو بغار حراء، ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء».
في غار حراء حيث السكون والظلام، بعيدا عن الخلق قريبا إلى الحق، قد انقطع عن العالم وضوضائه، والدنيا وألاعيبها، قد صفت نفسه من صفاء محيطه، ووجد نفسه فوجد ربه، وتعرض للإلهام فجاءه الإلهام، وتهيأ للوحي فنزل عليه الوحي. •••
لكم تمنيت أن يكون للمسلمين تكايا أو خانقاهات في أمكنة نزهة منقطعة ليست من هذا النوع الذي يأوي إليه العاجزون والعاطلون، والذين يأكلون ولا يعملون، ولكنها من طراز حديث يهرع إليها من أراد أن يستجم نفسه ويريح قلبه، ويسترد هدوءه، بعد أن أتلفتها ضوضاء المدنية، وجلبة الحياة العصرية - تكون مستشفى للنفوس بجانب مستشفيات الأبدان، ويترهب فيها من أضناه العمل، وأعياه الجهد، رهبانية مؤقتة يجدد فيها نفسه، ويغذي بهدوئها وسكونها عقله وحسه، ويبعث إلى العالم خلقا جديدا كما يبعث النوم الحياة - إذا لقلت أخطاء الناس ومظالمهم، فأكثرها مبعثه فساد الأعصاب؛ وإذا لقل إلحادهم فأكثره منشؤه الانغماس في المادة وشئونها، فإذا تجرد المرء منها زمنا وخلا بنفسه وأتيحت له فرصة التفكير في هدوء وسكون وظلام، تحرك قلبه للعبادة، ونزع إلى الإيمان، فاستجاب لفطرته، واستمع لطبيعته؛ وإذا لقلت مطامع الناس، وتكالبهم على الحياة ، فحياة الهدوء والسكينة توحي بأن الحياة ظل زائل، ومرحلة مسافر.
لقد اعتاد الناس أن يفروا من عنائهم إلى المقاهي والفنادق في الهواء الطلق، وعلى شواطىء الأنهار والبحيرات والبحار، ولكنها كلها تفيد الجسم، ولا تفيد - كثيرا - الروح والنفس، هي من نوع المستشفيات البدنية لا المستشفيات الروحية والنفسية، فيها - عادة - كل مظاهر المدنية وتعقيداتها وأخيلتها وتكاليفها، فهي لا تغني غناء صحيحا في العلاج النفسي والروحي، إنما يغني هذا الغناء أنواع المعاهد والمؤسسات قد بنيت على أساس نفسي وروحي لا تعبأ بزخارف المدنية وزينة الحضارة، تريح النفس من عناء التكاليف والتقاليد، وتسمو بها فوق المواضعات والمصطلحات، فتجد النفس راحتها الطليقة، وتعود إلى طبيعتها الحرة، وتسبح في تأملاتها، وبذلك تسترد حيويتها ونشاطها. •••
في سكون الظلماء يرى الإنسان بعينه ما لا يراه في الضياء، ويسمع بأذنه ما لا يسمع في الضوضاء؛ على أنه هو لا يرى بعينه فحسب، ولا يسمع بأذنه فحسب، بل كل شيء فيه يسمع ويرى، يفهم منطق الطير، ويتذوق موسيقاه، ويدرك معاني المياه في خريرها، والرياح في هبوبها، والأشجار في حفيفها؛ فكأنه منح من الحواس أضعاف حواسه، وملك من الملكات ما لا يعد بجانب ملكاته؛ وكأن عالم الصخب والجلب يغشي عينه، ويثقل سمعه، ويبلد عقله، ويثلم ذوقه؛ فلئن كان الصوت في عالم الحس له حدود، فإذا قلت تموجاته عن حدوده أو زادت انعدم السمع، فليس في عالم الروح حدود للصوت؛ ولئن كانت العين في عالم الحس لا تدرك من الألوان إلا أقلها، وتعجز عن إدراك أكثرها، فعين الفكر لا يحدها حد ولا يعجزها لون؛ ولئن كانت عيوننا الباصرة لا تبصر إلا في ضياء، وآذاننا لا تسمع إلا من قرع هواء، فعيوننا وآذاننا الروحية تستعين بالسكون والظلماء، أكثر مما تستعين بالضوء والهواء. •••
إنى لأرثي لهؤلاء الذين يضيعون كل حياتهم في هزل، بل أرثي كذلك لهؤلاء الذين بقضون نهارهم في وظائفهم وأعمالهم، ثم ينصرفون إلى لهوهم حتى يناموا، بل أرثي أيضا لهؤلاء الذين يقضون أوقاتهم بين بحث علمي، وقراءة وتأليف وتعليم، ثم لهو قليل ونوم. وأعتقد أن هناك عنصرا في الحياة ينقصهم وهو عنصر التأمل؛ ولست أعني بالتأمل ذلك الضرب من الأسلوب المنطقي العلمي في البحث والتفكير، إنما أعني ذلك الضرب الذي عناه القرآن بمثل قوله: