صلى الله عليه وسلم
خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا؛ إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أومخرجي هم؟! قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلى عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي.
| أسس الأخلاق في الإسلام
في القرآن الكريم آية تعد من أهم الآيات التي تبين أسس الأخلاق الإسلامية؛ ولذلك يرددها أئمة المساجد كل يوم جمعة على آذان المصلين وكان عبد الله بن مسعود يقول فيها: «إنها أجمع آية في القرآن للخير والشر»، وكانت سببا في إسلام عثمان بن مظعون لما سمعها فرأى أنها جامعة لخصال الخير والشر، ورأى أن دينا يأتي بهذا جدير أن يتبع، تلك هي قوله تعالى:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون .
لقد أمر الله فيها بخصال ثلاث من أهم خصال الخير، ونهى عن خصال ثلاث من أهم خصال الشر، فأما خصال الخير فأولها العدل، وهو أن يعطي الإنسان كل ذي حق حقه، فالمدين يجب أن يؤدي دينه، وهذا هو العدل، والغاصب والسارق ظالم؛ لأن كلا منهما أخذ ما ليس من حقه، والبائع الذي يكيل للمشتري أو يزنه أقل مما اتفقا عليه ظالم؛ لأنه لم يعطه حقه، والقاضي المتحيز ظالم؛ لأنه أخذ من أحد الخصمين بعض حقه وأعطى للآخر أكثر من حقه، فإن ارتشى بأي نوع من الرشوة فقد أخذ ما ليس من حقه أن يأخذ، وهكذا لو دققنا في معنى العدل وجدناه أساسا لكثير من الفضائل.
وهناك نوع آخر من العدل، وهو عدل الحكومة مع شعبها، فعليها أن تؤدي للشعب حقه عليها، فتجلب له السعادة وتبعد عنه أسباب الشقاء، وتوفر لكل طائفة من الشعب وسائل رقيها، من صناع وتجار وزراع وطلبة وموظفين، وتشرف على موظفيها حتى يرعوا مصالح الناس ويؤدوها وجه من غير تأخير أو إهمال وهكذا.
والقرآن يطالب بهذا العدل في مواضع منه كثيرة، وله في ذلك نظرة هي غاية السمو والنبل، فيأمرك بالعدل مع من تحب ومن تكره، ومن هو على دينك أو غير دينك، يقول في آية أخرى:
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ، أي لا يحملنكم بغضكم لقوم على أن تظلموهم، ولا تلتزموا العدل معهم، بل العدل واجب إنساني مع من أحببت أو كرهت ومع من وافقك في الدين أو خالفك، ومن أجل تقديره لهذا العدل أمر بالوفاء بالعهود مع كل من تعاقد معهم المسلمون من أي ملة أو دين، وهذا أسمى ما تصل إليه البشرية.
أما الخصلة الثانية بعد العدل فهي الإحسان؛ فإن كان العدل إعطاء كل ذي حق حقه، فالإحسان إعطاؤه ما فوق حقه، فمن الحق أن تأخذ دينك من المدين فإن رأيته معسرا فعفوت له عن دينك فهذا إحسان - وعلى الجملة فالإحسان يتطلب الشعور بالعطف على الناس وتقديم الخير ممن يقدر لمن لا يقدر، فالغني مأمور بإعطاء جزء من ماله للفقير، والعالم مأمور بتقديم زكاة علمه للجاهل، والقوي مأمور باستخدام قوته لمعونة الضعيف، وهذا هو ما عبر عنه القرآن بالإحسان، وليس مقصورا على ما يتصوره العامة من وضع يدك في جيبك واستخراج قليل من المال تضعه في يد الفقير، بل الإحسان أعم من ذلك وأشمل، هو عطف شامل من أفراد الأمة بعضهم على بعض، بل هو كذلك عطف الحكومات على أرباب الحاجات.
وخصص الله في الخصلة الثالثة الأقرباء بالإحسان، فالإحسان للناس عامة واجب، وهو لذوي القربى أوجب، فواجب أن يترابط أفراد الأسر، ومن ارتباط الأسر ترتبط الأمة.
هذه هي الخصال الثلاث التي شددت الآية في التزامها والعمل بها، أما المنهيات الثلاثة التي وردت في الآية فبالتأمل فيها نراها شاملة أيضا شمولا عجيبا؛ ذلك أن علماء الاجتماع والقانون يقسمون الرذائل أو الجرائم إلى أنواع ثلاثة، جرائم يأتيها الأفراد نحو أنفسهم وهي الجرائم الخلقية التي لا تدخل في نطاق القانون، كالكذب والحسد والنفاق والرياء ونحو ذلك، وجرائم تقع على أفراد الأمة ويعاقب عليها القانون، كالسرقة والقتل وكل ما فيه تعد على أنفس الناس وأموالهم، وجرائم تقع على السلطات الحاكمة، كالسعي في هدم الحكومات، وهذه الأنواع الثلاثة تقابل الرذائل الثلاث في الآية، فالفحشاء الأعمال القبيحة تصدر من الشخص وتؤذيه، ولذلك سمي البخيل فاحشا، وقيل للشخص إذ أجاب إجابة سيئة: أفحش في الجواب، وهكذا، والمنكر ما يصدر عن الناس من جرائم تضر بهم ويستنكرونها إذا حدثت، وقد اعتاد القرآن أن يسمي الفضائل الاجتماعية معروفا، والرذائل الاجتماعية منكرا، وجعل من أصول الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: