كثيرا ما يحدث أن يسكر سائق قطار ويفرط في الشرب فيخطئ في تسيير القطار ويعرض أرواح الراكبين فيه إلى أشد الأخطار، وقد روي لنا كثير من هذه الأحداث، فلنتصور كيف يجني سائق هذا القطار على من يحمل مسئوليتهم من الركاب، ولنتصور الفزع الذي يعرض للركاب لو علموا بحالة سائقهم، والحقيقة أن كل إنسان هو سائق قطار، أعني أن نفسه تسوق قطارا، وأن مثل العادات السيئة مثل الخمر الذي يشربها السائق تقوده إلى أشد الأخطار، وليس هناك دواء لتجنب هذا الخطر إلا الإرادة القوية التي تحمي صاحبها من السكر عند سوق القطار ... ومع الأسف كثير من الشبان لا يفهمون هذا، ويسوقون قطار أنفسهم وهم سكارى، ولا يفيقون من سكرهم إلا بعد الاصطدام وفوات الوقت وخسارة النفس.
لا بد أن يعود الشاب نفسه إيقاظ العقل وقوة الإرادة والشعور بالواجب؛ ليقاوم هذا الإغراء، مثل ذلك مثل من استحلى النوم في السرير مع مجيء موعد عمله، فإنه إذا استسلم للنوم والخمول والكسل ضعفت إرادته، ولكن إذا أشعر نفسه بواجبها ونبه وعيه لوجوب الانتباه والقيام من السرير لمباشرة عمله استطاع بذلك أن يقاوم الإغراء ويباشر العمل، وهكذا الشأن في شؤون الحياة كلها، إذا استسلم للراحة واستسلم للإغراء خمل عقله ونامت إرادته، ولم ينتبه إلى ما يجب أن يعمل إلا بعد فوات الأوان.
وعظماء الناس إنما كان سر عظمتهم في قوة إرادتهم وإطاعة عقلهم لا شهوتهم، وتمرين إرادتهم على العمل الجاد أمام الصعاب الحادة، إن الرجل العظيم يتلذذ من مقاومة الإغراء ويتلذذ من السيطرة على نفسه، ويحس اغتباطا من أنه غلب الإغراء ولم يغلبه الإغراء، وصبر على الشدة ولم يخضع لها، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل، فقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته»، معناه أن أي إغراء مما اعتاد الناس أن يخضعوا له ويتركوا مبادئهم من أجله لا يغريني، ولا يؤثر في مبادئي وتعاليمي.
وموقف أبي بكر يوم ارتد كثير من العرب وأبوا أن يدفعوا الزكاة ونصح بعض الناس له بأن يلين معهم ورفضه ذلك وتصميمه على الحرب وألا يقبل من العرب إلا الإسلام كله كاملا من غير أن ينقص منه شيء، قوة في العزم وقوة في الإرادة ومقاومة للإغراء.
وموقف ابن تيمية وقد أراده السلطان على أن يعدل عن رأيه الذي وصل إليه باجتهاده وبحثه فأبى، ثم حبسه وعذبه فأبى، وكان وهو في السجن يكتب الكتب يشرح بها مبادئه وتعاليمه ويستدل على صحتها، ثم لما منع عنه القلم والورق أخذ الفحم وصار يكتب به على حيطان السجن في شرح أدلته وبراهينه على تعاليمه، مثل صالح كذلك على قوة الإرادة وصحة العزم وشدة التصميم، وعدم الاستماع إلى المغريات أو التخويف بالعقوبات.
وكثير من المؤرخين كانوا يرون أن سر نجاح نابليون في حروبه كان في سرعة تصميمه ومواجهة العدو بكل قوته.
وعلى كل حال فتربية الإرادة وقوتها وتعويدها مقاومة الإغراء سر النجاح وسر الاستقامة وحصن حصين من الزلل، ومن ربى إرادته أمكن إصلاحه وأمكن حسن توجيهه، ومن فقد إرادته فلا أمل مطلقا في تقويمه إلا أن يبدأ من جديد، فيعالج نفسه كما يعالج المريض، ويصبر على العلاج المر حتى يشفى من الداء.
| هل نحن مسئولون عن حياتنا الاجتماعية؟
في الإسلام مبدأ أساسي عظيم لم يوله المسلمون حقه من العناية والرعاية كما ينبغي، يرمي هذا المبدأ إلى تقرير أن الإنسان ليس مسئولا من عمله فحسب بل هو مسئول عن حياته الاجتماعية التي يحياها في الناس.
هذا المبدأ سمي في القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووردت فيه الآيات الكثيرة مثل:
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون