تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فالدين نعمة على الفرد والمجتمع، هو راحة للنفس؛ لأنه يساير طبيعتها، وهو نعمة على المجتمع الإنساني؛ لأنه يوثق روابطه ويحيي عواطفه ويوجهه نحو الخير، وخير الأديان ما سما بالعاطفة، وأوسع المجال للعقل، وبنيت تعاليمه على خير الفرد وخير الإنسانية.

| تربية الإرادة

ليس يمكن أي إصلاح خلقي إلا إذا ربينا الإرادة أولا، فإذا طالبنا شابا أو شابة بضبط النفس عند الغضب أو عدم الإسراف في الملذات أو بالشجاعة عند الجبن أو بالعدل عن الظلم، فلا قيمة لكل هذه النصائح ما لم تسبقها عند الشاب أو الشابة إرادة قوية رباها صاحبها لينفذ بها ما اعتقد أنه حسن، ويتجنب بها ما اعتقد أنه ضار، فانصح ما شئت، وكرر النصح ما أردت، فليس لهذا كله قيمة إذا لم يكن المنصوح قوي الإرادة يستطيع بها أن يسيطر على نفسه.

ولكن كيف نربي إرادتنا؟

انظر إلى من يريد أن يتعلم ركوب الدراجة أو كما نسميها «البسكليت» - إن الشخص أول الأمر لا يستطيع ضبطها ولا يحسن السير عليها، فهو يتأرجح مرة ذات اليمين ومرة ذات اليسار، وكثيرا ما يبدأ ثم يقع، وأخيرا وبعد جهد جهيد تستقيم في يده البسكليت - ويسير بها سيرا حسنا ويعدو بها ويتجنب الأخطاء حتى ليأتي بالأعاجيب في السير بها، فماذا حدث؟ البسكليت هي البسكليت لم تتغير، وهي دائما مطيعة خاضعة، ولكن الذي تغير هو راكبها؛ فقد كان لا يحسن حركاته ثم أحسنها ، ولا يمكنه ضبط نفسه عليها، ثم ضبطها، فالتغير إنما حدث في النفس لا في البسكليت، كذلك الشأن في كل أنواع الحياة، لا بد من السيطرة أولا على النفس ثم مواجهة الأحداث، لا بد أولا من تربية الإرادة، وبعد ذلك يمكن مواجهة المشاكل بالإرادة وحلها، إن ضعيف الإرادة يتأرجح في أمره كما يتأرجح راكب الدراجة عند ركوبها لأول مرة، فإذا هو ربى إرادته سار سيرا متوازنا معتدلا متجنبا الأخطاء، كما يفعل راكب الدراجة إذا اعتادها، وكما يحتاج راكب الدراجة إلى جهد جهيد أول أمره حتى يستقيم له السير، وحتى يسير سيرا هينا من غير بذل جهد كبير، كذلك الشأن في تربية الإرادة يحتاج المرء أول أمره إلى كبير جهد وقوة تصميم وصحة عزم واحتمال الشدائد، ثم تسير الأمور بعد ذلك في يسر وسهولة من غير جهد ملحوظ، ولذلك جاء في الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، فمن صبر على الشدة الأولى في تربية إرادته كان ما بعدها أهون، إن الذي يفسد الإرادة أن تعزم وتعدل ثم تعزم وتعدل، فيكون شأنك شأن بكرة الخيط يلقي صاحبها عليها الخيط ثم ينقض ما لف.

وبعد ما يصير المرء على شيء الذي يريده ويربي فيه إرادته، يصبح عادة يأتي به من غير عناء كبير، فالرجل الفاضل الذي اعتاد الإتيان بالأعمال الفاضلة كالرجل الشرير الذي اعتاد أن يأتي بالأعمال الشريرة، كلاهما تصدر عنه الأعمال في يسر وسهولة، وليس من فرق بينهما إلا أن الأول وجه إرادته وعودها أعمالا صالحة والثاني وجه إرادته وعودها أعمالا سيئة.

وكثير من الشباب يقع في العادات السيئة من غير تفكير ومن غير قصد، إنما هم ينساقون مع التيار، يجدون بعض الشبان المستهترين يتجهون اتجاها سيئا فيسيرون في اتجاههم من غير وعي ولا تفكير ولا إعمال عقل في النتائج، وكان يجب أن يقدروا هذا الاتجاه ويزنوا نتائجه، ثم يسلطوا إرادتهم لتجنيبهم هذا الاتجاه السيئ.

إن أكثر ما يفسد الشبان ويضعف إرادتهم هو الإغراء؛ يجلس الشاب مثلا مع بعض أصحابه فيجد اثنين منهم أو ثلاثة يدخنون، فيعزمون عليه بسيجارة، فيأبى؛ فيلحون عليه، ويبررون تدخينهم بمبررات، مثل أنه يبهج النفس ويزيل الكرب أو نحو ذلك من علل فاسدة، فيشرب أول سيجارة فلا يحس لها طعما وقد يشعر بشيء من الدوخان فيكرهها وينفر منها، ولكن قد يوجد في مثل هذا الظرف فيشربها ثانية فلا يحس بالألم الأول، وإذا هو مدخن مثلهم، ولو جرد إرادته للمرة الأولى واعتزم ألا يدخن، ما وقع في هذه العادة السيئة، وقل مثل ذلك فيمن يشرب الخمر أو يجري وراء الفتيات أو نحو ذلك من عادات سيئة كلها، إنما يقع الشاب بسبب ما يحيط به من إغراء، ومتى وجد الإغراء وجب على الشاب أن يتسلح بالإرادة القوية؛ ليتقي الوقوع في مثل هذه العادات.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤١