تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ما أرى وللأستاذ رأيه، فإما أن يرجع إلى الحق حسب ما أرى، وإما أن يصر على رأيه، ولكل وجهة هو موليها، وأشكره أخيرا كما شكرته اولا على حسن تقديره للكتاب. (13) الإنسان حيوان محارب

عالج بعض الفلاسفة الحرب ودعوا إلى السلم، وجاءت الأديان من نصرانية وإسلام تحبذ السلم، ودعا إلى ذلك بعض فلاسفة اليونان وبعض قياصرة الرومان، ولكن العقبة الوحيدة كانت غريزة الإنسان التي تحب الحرب وتكره السلم، ويظهر أنها وراثة من وراثات الحيوانات المتوحشة التي كانت هي أصل الإنسان، حتى أصبحت الأديان التي تدعو إلى السلام كذلك مظهر حرب، ولم يكتف الإنسان بالحرب في ميادين القتال، بل قاتل في التجارة والصناعة، ولم يكتفوا في لعب الأولاد بلعب السلام، بل أتوهم بلعب الحرب أيضا.

وليس الجدال في المجالس إلا نوعا من أنواع الحرب، وكذلك المناظرات والتسابق على الأولية في المدارس والجامعات، وكما نرى آثار الحرب ظاهرة بين الإنسان والإنسان، فهي كذلك ظاهرة بين الحيوانات، فالدنيا كلها حرب حتى ظواهرها الطبيعية فلو قلنا: إن الإنسان محارب بطبعه لم نبعد، ولسنا نصل إلى السلم فيما يظهر إلا بعد أجيال طويلة، نعدل فيها برامج التربية، ونقلم فيها أظفار الغرائز الحربية. (14) البت والتردد

لو سئلت أن أضع قائمة للفضائل بحسب ترتيبها لعددت البت في أولها، وأكره ما أكره التردد، يقدم الرجل رجلا ويؤخر أخرى، ويقدم ثم يحجم، ويحجم ثم يقدم، وتفوت بذلك الفرص وتتعقد الأمور، وكثير من الناجحين في الحياة إنما نجحوا لبتهم لا لترددهم، وقد اشتهر العنصر الأنجلوسكسوني بسرعة البت في الأمور، ولذلك نجح وفتح واستعمر، وكان العرب يمدحون الفتى بسرعة البت وقوة الحزم، ويقول قائلهم:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

ونكب عن ذكر العواقب جانبا

ويحمل على التردد الهرب من المسئولية، فإن العمل تصحبه المسئولية دائما، فهو يفضل ألا يعمل حتى لا يسأل، وهذا عين ما تقع فيه حكومات الشرق - تتردد حتى لا تسأل، وتسير على الطريقة المتبعة حتى لا تسأل، وتسأل دائما عن السوابق حتى تأمن الخطأ، ولذلك قل عندها التجديد، وعندي أن البت مع الخطأ خير من التردد مع الصواب.

| لماذا كان الدين؟

لنتصور أمة من الأمم عاش أهلها من غير دين، لا مساجد ولا كنائس ولا شعائر، ولا اعتقاد بإله، ولا بيوم آخر، ولا اعتقاد في جزاء: ثواب أو عقاب، فماذا يكون شأنهم وهل يتصور أن يكونوا سعداء؟

إني أتصورهم يعيشون عيشة جافة شقية حتى ولو ساروا في حياتهم وفق العقل؛ لأن أفقهم في الحياة ضيق محدود بعمرهم القصير.

ثم إن الإنسان مكون من عقل وشعور لا يعيش في الحياة من دونهما، وشعوره متأصل فيه أكثر من تأصل العقل، فهو أحيانا يتصرف في الأمور حسب عقله من تقدير المنفعة أو المضرة، وأحيانا يتصرف بشعوره وعواطفه، كرحمته على أبنائه والتضحية من أجلهم من غير نظر إلى مكافأتهم له في مستقبل حياته، وهذان العنصران - أعني العقل والشعور - لا بد لهما في الحياة من غذاء كغذاء المعدة، وغذاء العقل العلم، وغذاء الشعور الدين، والحياة إذا أسست على العقل والعلم وحدهما كانت حياة خالية من العطف والرحمة والإنسانية وفي ذلك البلاء المبين.

وإذا كان الإنسان قد كون من عنصرين: عقله الذي يتغذى بالعلم ، وشعوره الذي يتغذى بالدين حق لنا أن نقول: إن التدين من طبيعة الإنسان كما أن العقل من طبيعته، ولهذا لازم التدين الإنسان منذ عرف تاريخه في بدوه وحضره، في جميع أقطاره وأقاليمه، في رقيه وانحطاطه، فمهما اختلفت تفاصيل الدين، ومهما تعددت المعابد والشعائر فالإنسان هو الإنسان لا بد له من دين.

والدين يكون عنصرا هاما من عناصر المدنية، قديمها وحديثها، ويؤثر أثرا كبيرا في حركات كل أمة سواء كانت حركات سياسية أو اجتماعية حتى في المدنية الحديثة مع إيمانهم التام بالعلم وانطباعها بطابعه لا يزال للدين الأثر البالغ في منازعها السياسية والاجتماعية، فعلاقة الأمم النصرانية بعضها ببعض وعلاقتها بغيرها من أهل الأديان الأخرى وفهمها للحقوق والواجبات ومبادئها التي تسيرها في مجتمعاتها كلها متأثرة بالدين.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٣٩