تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا علمنا ذلك أيضا، أمكننا أن نفهم سخافة مقاومة الاستعمار بكسر فوانيس الشوارع أو إحراق الترام أو إضراب المدارس، إلا أن يكون ذلك علامة على بغض الاستعمار، وإظهارا للعواطف الثائرة أو نحو ذلك؛ فهذا علاج لا يقابل الداء.

والعلاج الصحيح الذي ذكرنا يحتاج إلى ثقافة في أساليب الاستعمار واسعة، وتنبيه شديد للوعي القومي، حتى يدركوا صحة موقفهم، ويدركوا كيف يعملون لمقاومة خصومهم؛ ومتى أدرك المستعمر أنه لا يستطيع تحقيق أغراضه لم يعد يرى أن للاستعمار فائدة فانسحب بسلام؛ وهذه كانت طريقة غاندي وأمثاله التي ترتب عليها انسحاب الإنجليز من الهند، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

هذه نظرة الذوق الفطري للاستعمار، ولا بد أن يكون عند المختصين في الاقتصاد والسياسة ما هو أدق من ذلك وأوسع. (12) هل الحق حق حيث كان؟

ذهب الأستاذ الفاضل نقولا الحداد في نقده لكتابي (هارون الرشيد) إلى أن الحق حق حيث كان في كل زمان ومكان، والباطل باطل كذلك حيث كان ومؤاخذة الناس على الحق والباطل واحدة في كل العصور، ولست أرى هذا الرأي؛ فقد أوافقه على أن الحق والباطل حقائق مجردة في كل زمان ومكان، لا يتغيران بتغير الأشخاص، ولكني أخالفه في مؤاخذة الناس عليهما مهما تغيرت البيئة، فالمؤاخذة إنما تكون بمقدار تقدير الناس للحق والباطل وفهمها، هؤلاء المصريون من عهد قريب كان نساؤهم يتحجبن وكان الرجال يرون أن الحجاب فضيلة، ثم سفرن فرأى الرجال أن السفور فضيلة، والحجاب رذيلة، والمصريون عادة أقل تقديرا للصدق والأمانة من الإنجليز والألمان، فيجب أن نؤاخذ المصريين عليهما أقل مما نؤاخذ الألمان والإنجليز، والمصريون يقدرون العفة أكثر مما يقدرها الألمان والإنجليز، وليست المسئولية على هؤلاء وهؤلاء واحدة، بل إن الأمة الواحدة قد يختلف تقديرها للفضيلة بحسب المكان، فلا تكون المؤاخذة واحدة؛ فالغيرة في الصعيد أكثر منها في البحيرة، فإذا قتل الصعيدي زوجته أو أخته غيرة لم يؤاخذ كما يؤاخذ البحيري، والقضاة يعلمون ذلك، فيفرقون في الحكم بينهما، ولا يقدر الإنجليز والفرنسيون الغيرة كما يقدرها الصعايدة والبحاروة، وبذلك تختلف قوة المؤاخذة، والطفل أو الشاب إذا ارتكب جريمة خصوصا في الجرائم التي تدفع إليها الشهوات أو قوة الشعور لم يؤاخذ عادة كما يؤاخذ الشيخ المسن، الذي كثرت تجاربه وضعفت مشاعره، وهكذا من آلاف الأمثلة، فهل يريد الأستاذ أن يؤاخذ الناس الرشيد وهو في عصر لم يكن الناس فيه يعرفون حق الحياة وحق الحرية، كما نؤاخذ من تعدى عليهما اليوم؟ إن ذلك والحق يقال يكون جرما فظيعا، ومن أجل هذا شرع في القوانين الحديثة تقدير الظروف التي ارتكب فيها المجرم إجرامه، وليس من الحق أن نكلف عامة الشعب فوق طاقتها، فنحملها مسئولية ما لم تفهم وما لم تقدر، وإن كان الحق حقا في ذاته، والباطل باطلا في ذاته، بل إن عوامل الفصول المختلفة تجعل الإجرام في فصل أشد من الإجرام في فصل آخر، فالفقير إذا اشتد به الجوع وسرق رغيفا في الأيام القاسية البرد كان أخف جرما من غني سرق رغيفا في أيام الصيف، وعمر بن الخطاب لم يوقع الحد على فقير سرق ناقة وقد اشتد به الجوع، ولم يوقع حد الشرب على أبي محجن الثقفي؛ لأنه أبلى في الحروب بلاء حسنا، وأوقف الحدود كلها في أيام الحرب لما رأى أن بعض من وجب عليه الحد يفر إلى بلاد الأعداء، أفبعد هذا كله يصر الأستاذ على أن المسئولية في جميع العصور والأمكنة واحدة لا تتغير؟

الحق فيما أرى أنها تتغير قوة وضعفا، وأن الرشيد لو ارتكب نكبة البرامكة اليوم لكانت مسئوليته أشد، ولو ارتكبها في إنجلترا أو ألمانيا كانت مسئوليته أكبر مما إذا ارتكبها في مصر أو بغداد؛ لأنهم هناك يقدرون الأمور ويعرفون الحقوق أكثر مما نعرف ونقدر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٣٨