تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يستدعي العجب، أن المدنية الحديثة كرهت الإسلام والمسلمين أشد كراهة، بل إن كراهيتها للإسلام والمسلمين أشد من كراهيتها لسائر الأديان الأخرى، من يهودية وغيرها، بل أشد من كراهيتها للوثنية؛ فهي تكره المسلمين أشد مما تكره البوذيين وسائر الوثنيين، وتظهر هذه الكراهية في سوء المعاملة وحب الانتقام، وظلم ما يصدر عنها من أحكام؛ وإذا كان هناك نزاع بين مسلمين وغير مسلمين وتدخلت المدنية الحديثة فإنما تتدخل للإيقاع بالمسلمين والتنكيل بهم، يتجلى ذلك في حكم الإنجليز للهند وتمييزهم في المعاملة بين المسلمين والهندوكيين، وفي المظهر الحديث في النزاع القائم بين المسلمين واليهود إلى كثير من أمثال ذلك.

وعلة هذا تستوقف النظر؛ فليست المسألة مسألة خصومة بين الإسلام والمسيحية، ولو كان الأمر كذلك، لكان المعقول أن يكون الإسلام أقرب إلى المسيحية من أي دين آخر، وعلى الأقل أقرب إلى المسيحية من المسيحية إلى الوثنية، فليس الأمر أمر دين فحسب، ولكن يظهر أن هذه الخصومة والكراهية ترجع إلى أسباب أعمق من ذلك، منها ما خلفته الحروب الصليبية من الخصومة؛ فقد أراد الصليبيون أن يستولوا على الأقطار الإسلامية، وبذلوا في ذلك من الجهود الجبارة ما يعرفه التاريخ، واستعملوا للتغلب على المسلمين كل الوسائل الصادقة والكاذبة، فجمعوا كل قوتهم المادية، ونشر القساوسة كل ما استطاعوا من تضليل وكذب، وافتراء على الإسلام، حتى صوروا الإسلام وصاحبه أبشع صورة وأفظعها، فلما لم ينجحوا مع ما بذلوا من كل هذه الجهود عادوا وهم يحملون الحقد والضغينة على الإسلام والمسلمين، وأورث السلف هذا للخلف.

هذا سبب، وهناك سبب آخر، وهو أن الإسلام أنجح الأديان في منافسة النصرانية بين الشعوب الوثنية، على الرغم من ضعف التبشر في الإسلام، وقلة ما يبذل من جهد في نشره، ومع قوة التبشير في المسيحية، وما يبذل في سبيل ذلك من جهود وأموال، فهذا التنافس بين الإسلام القوي والمسيحية سبب كراهية ونفورا؛ لأن الكراهية والنفور تشتد بين الأقوياء أكثر مما تشتد بين قوي وضعيف.

ومن الأسباب أيضا أن الإسلام يبث في معتنقيه العزة، وأن تكون كلمة أهله هي العليا، وكلمة غيره هي السفلى، ويحث على مقاومة حكم الغير، وعدم الخضوع للأجنبي، وهذا ما يغيظ الاستعمار كل الغيظ، وهل أتاك حديث زعيم فرنسي يحمل على تعليم العلوم باللغة العربية في بلاد المغرب؛ لأن اللغة العربية وسيلة للإسلام، والإسلام يناهض الاستعمار، فإذا علمنا بالعربية فقد مكنا من مناهضة حكم الأجنبي.

هذه الأسباب وغيرها هي التي حملت المدنية الحديثة على مناهضة الإسلام والمسلمين، والتنكيل بهم، وإقفال طريق الرقي أمامهم، وكان الواجب أن يشعر المسلمون بذلك كل الشعور، فيزيدوا قوتهم، ويبذلوا كل جهدهم في تكوين أنفسهم وإعلاء كلمتهم واستقلالهم بأنفسهم، وادخار القوة لمكافحة القوة.

لقد فتح الإسلام كما فتحت المدنية الحديثة، ولكن كان أساس فتحه نشر العدل والأخذ بيد المفتوحين، والرقي بهم في سلوكهم وأخلاقهم ودينهم، وأن لأهل الذمة من الحقوق ما للمسلمين، ولكن الفتح الغربي فتح جباية واستغلال، لا فتح سمو في الأخلاق، ولا نشر لمبادئ إنسانية، ولا أخوة عالمية، لا شيء من ذلك، إنما هو فتح لأسواق تجارية، واستعباد من القوي للضعيف، ومن العالم للجاهل.

فليفتح المسلمون أعينهم ليروا كل هذا وليبنوا خططهم على أن لا أمل إلا في أنفسهم، وإلا ببذل كل جهد في تقويتهم ماديا وروحانيا، وإلا بجمع كلمتهم ووحدتهم وهدم تفرقهم وتعاونهم التام للعمل أمام الخصم الذي يسعى للتنكيل بهم، ووضع العراقيل في سبيل تقدمهم، والله يوفقهم.

| الجامعة الإسلامية

يعنون بها الرابطة التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب، وقد كانت كلمة مفزعة لأوربا في القرن الماضي، وليس صحيحا ما قاله المرحوم سعد باشا زغلول: «إن صفرا وصفرا يساوي صفرا» بل الصحيح أن «ناقص خمسة في ناقص خمسة يساوي زائد خمسة وعشرين»، فكل دولة وحدها قد لا تساوي شيئا ولكنها جميعا تستطيع الوقوف أمام الاستعمار الأوربي، وإذا كان الأوربيون يتكتلون على الباطل لمحق المسلمين، فأولى أن يتكتل المسلمون على الحق لدفع كارثة الاستعمار.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١١٤