إنما عرف المسلمون المدنية الغربية عن طريق سيئ جدا، وهو طريق الفتح والاستعمار، وعرفوا المدنية الغربية من صوت المدافع تفتك بهم، وتغزو بلادهم، فلا عجب إن كانوا قد قابلوا بكثير من الكره والبغض، وكان ذلك طبيعيا، ولو أن هذه المدنية تقدمت في شكل تقدم إنساني يصح أن يحتذى، لقابلها المسلمون بكل أنواع الارتياح وسعة الصدر، ولفتحوا قلوبهم كلها للاستفادة منها.
إنما أتتهم في شكل حديد ونار، واكتساح واستغلال، ففزعوا منها، وصدوا عنها.
نعم، إنهم استفادوا منها كثيرا، فاستخدموا مخترعاتها، واقتبسوا كثيرا من معارفها وعلومها وصناعاتها ونحو ذلك، ولكن كل هذا لا يساوي ما خسروه بسببها، لقد فقدوا بها حريتهم واستقلالهم وسيادتهم.
لقد كان طابع المدنية الحديثة طابعا قوميا، فكل أمة ترى الخير في مصلحتها الخاصة بها، ولا تعترف بأي مصلحة لغيرها، وتزعم أنها أحق بالسيادة على الأمم الأخرى المستضعفة، وخدم العلم والأدب والتربية هذه النزعة القومية حتى بلغت القمة، ونشأ عن ذلك مقياس أخلاقي جديد، وهو أن ما كان في مصلحة الأمة فخير مهما ضر الآخرين، وما ضر الأمة فشر مهما نفع الآخرين، وساد في كل أمة أوربية الشعور بالكره لغيرها والخوف من غيرها، فإنجلترا تكره ألمانيا وتخافها، وألمانيا تكره إنجلترا وتخافها، وهكذا العلاقات بين الدول، فإن كان هناك مسالمة وتودد فأمر ظاهري فقط، ورياء ونفاق لا حب وإخلاص، وظل هذا هو الشان في المدنية الحديثة من عهد أن تكونت القومية إلى اليوم. •••
وكل أمة أوروبية قوية تعبد المجد؛ ومعنى المجد حب العظمة والسيطرة والاعتزاز بالقوة، وكان من أثر هذا المجد عند كل أمة كبيرة رغبتها في أن تسيطر على أكبر رقعة من الأرض تستطيع السيطرة علبها، وفي أن يكون لها مستعمرات أو ممتلكات واسعة فسيحة، وهذا المجد القومي غير المجد الخلقي، فالمجد الخلقي هو العمل على وفق القوانين الأخلاقية العالمية من عدل ووفاء وإحسان ونحو ذلك، أما المجد القومي فهو سيطرة واستغلال وتسخير للأمم الضعيفة لمصلحة الأمم الكبيرة، ولو اضطرها ذلك إلى إسالة الدماء البريئة، وإذلال الأعزة، ورفع شأن الأذلة، وهذا ليس من الأخلاق في شيء، والسياسي الماهر في المدنية الحديثة هو من استطاع أن يذل الأمم المحكومة ويكبت صوتها، ويعلي من شأن أمته ويظهر سيطرتها.
ولما تغلبت الوطنية وحب المجد على أمم أوربا وأمريكا تنافست في السيطرة؛ طلبا لهذه العزة الكاذبة، فتسابقوا جميعا للاستعمار، وكان الاستعمار في نظرهم هو إخضاع الأمم المستعمرة وإذلالها ما أمكن، واستغلال مواردها، وفتحها سوقا لتجارتها ومنافعها، ولا عبرة عندها بخلق أو فضيلة، حتى لو رأت الأمة الفاتحة أن تجارة الخمر، أو الأفيون، أو المخدرات عموما، أو الرقيق الأبيض، أو نحو ذلك مما يفيد استعمارها؛ لو لم تتورع عنه لأنها لا تقصد إلى سمو في الخلق، ولا نبل في الفضيلة، وإنما كل ما تقصد هو العزة القومية، والمجد الكاذب، بالمعنى الذي ذكرنا.
وليس هناك أي شعور إنساني، من الأخذ بيد الضعيف، وتعليمه علما نافعا، وترقيته، حتى ينهض بنفسه أو نحو ذلك، فهذا المعنى الإنساني معدوم في نظر الاستعمار الغربي.
على هذه الأسس، استعمرت البلاد الإسلامية، وتقسمتها إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وغيرها، وكانت كلها سواء في هذين الأساسين، وهما تقويم المسائل حسب القومية، لا حسب الإنسانية، والعمل للمجد القومي والمنفعة القومية، بإذلال الأمم المفتوحة، واستغلالها وإضعافها، فليست تقدم لها علما إلا علما ضعيفا لإخراج موظفين يخدمون الاستعمار، وليس هناك استغلال ثروة إلا لمصلحة الفاتح دون مصلحة المفتوح.
وهكذا أضعفت المدنية الأقطار الإسلامية، واستنزفت أموالها ودماءها وأخلاقها من غير مراعاة لأي شعور إنساني، أو إخاء إنساني، أو عطف كبير على صغير، أو مساعدة قوي لضعيف، وليس هناك من فرق بين هذه الأمم إلا في الأسلوب، لا في الجوهر والحقيقة.