تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كان ذلك كذلك، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس وحقيقة الشعور وما إلى ذلك، كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء، وتشدق سخيف، لا حقيقة وراءه ، ولو أنصف مؤلفو المعاجم، ومحاولو التعريفات، لكفوا عن ذلك؛ لأنهم لا يصلون إلى حقيقته، وإنما يدورون حول أنفسهم، ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفا بالمثل لا تعريفا بالحقيقة، وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لا يدرك حقيقة ما حوله؟! إن كان هذا حقا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ إنه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المريخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم، فحاولوا أن يعرفوا ما فوقهم.

ويعجبني ما ينسب إلى الإمام علي - كرم الله وجهه - في الله تعالى: «إنه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بذي عظم تناهت به الغايات، فعظمته تجسيدا، ولا بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما».

كما يعجبني قول ابن أبي الحديد:

والله لا موسى ولا

عيسى المسيح ولا محمد

علموا ولا جبريل وه

و إلى محل القدس يصعد

كلا، ولا النفس البس

يطة لا، ولا العقل المجرد

من كنه ذاتك غير أن

ك واحدي الذات سرمد

فلتخسأ الحكماء عن

حرم له الأفلاك سجد

من أنت يا رسطو ومن

أفلاط قبلك يا مبلد

ومن ابن سينا حين مر

د ما بنيت له وشيد

هل أنتم إلا الفرا

ش رأى الشهاب وقد توقد

فدنا فأحرق نفسه

ولو اهتدى رشدا لأبعد •••

وقوله أيضا:

فيك يا أعجوبة الكو

ن غدا الفكر قليلا

أنت حيرت ذوي اللب

ب وبلبلت العقولا

كلما أقدم فكري

فيك شبرا فر ميلا

تاكصا يخبط في

عمياء لا يهدي السبيلا

وفي مثل ذلك من الحيرة - أقر - ابن سينا بعد طول ما أجهد نفسه في فلسفته، وفخر الدين الرازي بعد ما أطال في تأملاته، بالعجز عن معرفة الموجود الواجب الوجود، بل أقرا مع هذا بالعجز عن معرفة حقائق هذا الوجود، وأسفا أن صرفا حياتهما في غير طائل، ورجع كل منهما بعد طول السفر خاوي الوفاض، وقالا: إنهما لو استقبلا من أمرهما ما استدبرا، لما صرفا حياتهما في شيء باطل، ووهم واهم.

ما أعجز الإنسان! يجهل كل ما حوله، ثم هو يؤلف كل هذه الكتب التي لا عداد لها، ثم يفتخر بها، ولو أنصف لخجل منها، وحرق أكثرها، والأعجب من ذلك هذا الغرور الذي يستولي على بعضهم، فيزعم أنه العالم النحرير، والفيلسوف الكبير، أو يزعم أن عقيدته التي اعتقدها حق لا باطل فيها، وعقيدة غيره باطلة لا حق فيها، فما هذا الحق الذي يتباهون به، ويتعصبون له، ويملؤون الدنيا فخرا به، ويعيبون غيرهم بالصد عنه؟! كلا ليس في أيديهم حق بحت وليس يعلم الحق إلا الله، يعلم ما ظهر وما بطن، ويعلم السر والعلن، أما غيره فلا يعلم إلا سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

| الأدب الشعبي بين الحرفشة والفصحى

من قديم اشتهرت مصر بالأدب الشعبي، حتى ليمكن تحديد سلسلة من الأدباء الشعبيين، وذلك من شعر خفيف لطيف، كشعر الجزار، والبها زهير، أو زجل ظريف، أو نكت رائعة، كالذي اشتهر به ابن دانيال الموصلي، وابن سودون، والشربيني، والمسرحيات والقصص الشعبية التي كانت تمثل في خيال الظل.

هذا كله قديما، وفي الحديث اشتهر الأدب الشعبي بالزجل أيضا، وبالنكت الظريفة، وكان الشيخ حسن الآلاتي رجلا كفيفا من أصل تركي، يلبس العمامة، ولها عدبة على قفاه، وله قهوة في حي السيدة سكينة تسمى المضحكخانة، يقصد إليها العظماء والأمراء؛ ليضحكوا من نكته، وكان يحضرها عبد الله (باشا) فكري، وغيره من العلماء، وكانت أكثر نكته من قبيل المفارقات، مثل: «البردان يقلع عريان»، واشتهر بعده عبد الله نديم وكان ماهرا في الزجل، وكان يخرج مجلتي الأستاذ، والتنكيت والتبكيت، بعضهما باللغة العامية، وبعضهما باللغة الفصحى، وكان إذا نازل الأدباتية غلبهم، وأقيمت بعض الحفلات للمبارزة الزجلية، كالمبارزة بالعصي والسلاح، وحكى هو نفسه، منازلة كانت بينه وبينهم في طنطا، وانتصر فيها على حد قوله، واستمرت هذه السلسلة، فجاء بعده توفيق صاحب «حمارة منيتي» وكان الشعب يتلقفها لخفة روحها، ثم كانت الصاعقة لأحمد فؤاد، والسيف لحسين شفيق، رحمهما الله. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٧٩