وبعد فإن أوروبا مع تقدمها في فهم الحرية، وجدها المتواصل في بناء حياتها على العلم لا على العواطف، ما زالت بعيدة عن تحقيق التسامح الديني بالمعنى الذي شرحناه في صدر المقال؛ فبالأمس قرأنا كيف هتلر بيهود ألمانيا وقرأنا كيف اضطهد الشيوعيون الدين وحاربوا شعائره، ونقرأ في الصفحات الأخيرة كيف حاربت أوربا المسلمين العرب في فلسطين، ونصرت اليهود عليهم، وعرفنا كيف تخلط أوربا المنفعة السياسية بالعواطف الدينية في معاملتها للمسلمين.
وأخيرا فهل للمسلمين أن يشتد وعيهم القوي، ويفهموا بعد طول هذه التجارب التي ذكرنا بعضها أنه لم يعد هناك وجه للخلاف بين سني وشيعي وزيدي وغير ذلك من المذاهب؛ لأنهم لو رجعوا إلى أصل دينهم ما وجدوا لهذا الخلاف محلا ولوجدوا أنه خلاف مصطنع لا خلاف أصيل، وأن الأمم الإسلامية في موقفها الحاضر أحوج ما تكون إلى لم شعثها وإصلاح ذات بينها، وتوحيد كلمتها، وهي ترى كيف تهاجم من كل جانب، وكيف يتخذ إسلامها وسيلة من وسائل الكيد لها، وإذا اتحد أهل الباطل على باطلهم، فأولى أن يتحد أصحاب الحق على حقهم.
| ما نعلم وما لا نعلم
وقف مرة الأستاذ آينشتاين العالم الكبير عند درج صغير في أسفل مكتبته، وقال: «إن نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي» ولو أنصف لقال: إنه أقل من هذه النسبة. فإنا لا نعلم أي شيء هو؟ إنا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء هي؟ وهذا في الدنيا التي نعيش فيها، ونلمسها ونزاول شئوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا؟! نقول: إن العالم مكون من ذرات، ونقول: إن الذرة من إليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة، ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، ونتبجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم عن حقيقتها شيئا، نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة والبرودة والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها، ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئا، وإنما نعلم كيف تستخدم، بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وإن كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته وإنما نعرف أعراضه، وبعبارة أخرى نعرف «كيف» ولا نعرف «ما» و«لماذا».
ما الحب، ما الجمال، ما القبح، ما الحرية، ما كل شيء معنوي؟ كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئا، وكل ما يستطيعه العقل أن يعرف صفاتها، ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات.
قد نعلم أن اثنين واثنين أربعة، ثم نعلم أجزاءها ومضاعفاتها، أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها ولا نعرفها، وكأنا منحنا عقلا ليس من طبيعته أن يعرف شيئا عن الحقائق وكل الذي يعرفه الإنسان - لو كان ذكيا - أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها، ولذلك أنصف أصحاب مذهب البراجماتزم إذ أنكروا قدرة العقل على معرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات.
والذين يشتغلون بالعلوم ويقولون: إنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحا للحقائق، ولكن شرحا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الظاهرة، لا صفاتها الباطنة، إنك تقول: إن فلانا يحبني وفلانا يكرهني، ولكن، ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف! قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى: أسهل من معرفة الحقيقة؛ لأن الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل أقدر منا على فهم الحقائق، ولذلك سهلت الحياة؛ لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق؛ لأنها علم، إنك تستطيع أن تعلم أنك إذا صنعت القطار على نمط صحيح لا يصطدم، ولا تخرج عجلاته، وتستطيع بقدر الإمكان أن تتقي الأحداث، وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرا حسنا؛ لأن هذه كلها فن لا علم، وحتى أنت في هذه عرضة للخطأ؛ فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب، ويصدم بجاموسة مرت عرضا في الطريق، وتصطدم سيارتك بما لم تقدر مطلقا أنها تصطدم به، فكيف الحقائق المجهولة؟!