سأضرب في طول البلاد وعرضها
أنال مرادي أو أموت غريبا
فإن تلفت نفسي فلله درها
وإن سلمت كان الرجوع قريبا •••
وقد روى الفخر الرازي أنه كان يعرف اليونانية وأنه كان مثقفا بها، وقد استنتج ذلك من حكاية رويت ... وهي أن الرشيد سأله: هل يعرف الطب؟ قال الشافعي: «أعرف ما قالت الروم مثل أرسططاليس، وبقراط وجالينوس وفورفوريوف بلغاتها، وما نقله أطباء العرب وقننته فلاسفة الهند ونمقته فقهاء الفرس» وهي تدل على ثقافة واسعة.
ولكن ابن القيم رد هذه الرواية، وقال: «إنها كذب مفترى، ولو كان الشافعي يعرف لغة اليونان ما فات ذلك مؤرخوه من كبار أصحابه»، فلغته في كتاب «الأم» وما روى من شعره وكتابته لرحلته كل ذلك يدل أنه أديب ممتاز بجانب أنه فقيه ممتاز ...
لقد عاش الشافعي مع علمه وأدبه فقيرا ومات فقيرا، ونسب ذلك إلى القدر، وأنه إذا منح العقل حرم الغنى، وإذا منح الغنى حرم العقل، وقال في ذلك شعرا كثيرا مثل قوله:
إن الذي رزق اليسار ولم يصب
حمدا ولا أجرا لغير موفق
الجد يدني كل أمر شاسع
والجد يفتح كل باب مغلق
وإذا سمعت بأن مجدودا حوى
عودا فأثمر في يديه فصدق
وإذا سمعت بأن محروما أتى
ماء ليشربه فغاض فحقق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني
بنجوم أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجا حرم الغنى
ضدان مفترقان أي تفرق
ومن الدليل على القضاء وكونه
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقوله: ومن الدليل، تعبير غير شعري تأثر بالفقه، وربط الغنى والفقر بالقدر نظرة قديمة أوحى بها عصره؛ لأن هذا العصر كان العلماء فيه والأدباء لا يغتنون من علمهم وأدبهم إلا إذا صادقوا الخلفاء والأمراء وملأوهم ملقا ومديحا بالغا، كالأصمعي وأبي العتاهية وأبي نواس، أما إن كانوا فقهاء أو أدباء لا يتصلون بالخلفاء والأمراء، عاشوا عيشة فقيرة إلا إذا كان لهم مورد آخر من عمل أو وقف ... كأبي حنيفة الذي كان يعمل بزازا.
ولكن انتشار الديمقراطية والاعتماد على الشعب دون الملوك والأمراء غير هذه النظرة، وجعل اجتماع العقل والغنى ممكنا، بدليل ما نرى في أوربا وغير أوربا من علماء وأدباء اغتنوا بعلمهم وأدبهم، وأصبح الناس يفهمون أن الغنى والفقر ناشئان من النظام الاجتماعي المعمول به، فإن كان النظام عادلا أخذ كل إنسان حظه من الغنى، وإذا كان النظام سيئا كان المال في يد عدد قليل قد لا يستحقه ...
كان الشافعي عزيز النفس، عالي الهمة، يرى أن علمه مع فقره خير من غناه مع ذله، وأنه إنما تعلم ليخدم لا ليخدم، ويكرم لا أن يهان، ويقصد لا أن يقصد ... فقضى حياته على بعض دريهمات وخادمة، ولو شاء أن يمد يده لدر المال عليه، وانهالت عليه الثروة ... فرحمه الله.
| التسلح الخلقي قبل التسلح العسكري
شاعت بين الناس كلمة «التسلح» يقصدون بها إنتاج الأسلحة المادية فأراد قوم خيرون أن يعارضوها بالتسلح الخلقي، مقابل التسلح المادي، لقد زعم دعاة التسلح المادي أن التسلح للحرب يمنع خطر الحرب، ولكن لم يصح تنبؤهم، فما إن يتم تسلحهم حتى تنفجر الحرب ويرمى في نارها بالسلاح؛ وذلك لأن إعلان الحرب في يد حفنة قليلة من زعماء مغرمين بها، إما لداع وطني فيرون أن الوطنية الصادقة تدعوهم للحرب؛ رغبة في الانتصار، وإما لأن وراءهم رأسماليين يربحون أرباحا طائلة من أدوات القتال ... فجاء قوم خيرون، رأوا أن التسلح الخلقي هو المنجاة من الحرب؛ إذ ليست الأخلاق صدقا وكرما وعدلا فقط، بل منها أيضا نشر السلام، ومنع الحرب، فوجدت جمعية لهذا الغرض، وانتشرت في أقطار العالم، وحضر لفيف من أعضائها منذ سنتين في الإسكندرية، وهم يرون أن الحرب مهما عظمت، ومهما كان الداعي إليها، لا تساوي ما ينتج عنها من تخريب وسفك دماء وقوة عداء، وأن الناس قديما كانوا إذا اختصموا يأخذون حقهم بأيديهم فلما ارتقوا احتكموا إلى المحاكم ...