بل إن الدنيا بدولها لا بأفرادها قد تمثل كذلك رواية، دولة مجدها إلى السماء، ولا تغرب الشمس عن أملاكها، ثم تأتي عليها الحوادث التي لا قبل لها بها، فإذا هي لا شيء، ودولة ضعيفة لا حول لها ولا طول يبسم لها وجه الزمان، فتأخذ في القوة شيئا فشيئا، حتى تصبح أعز أمة على وجه الأرض، إن شئت فانظر إلى الرومان والفرس مع العرب، لقد كانت الدولتان الأوليان تقتسمان سيادة العالم، وتهزآن بالعرب وحركتهم، بل كان العرب أنفسهم يستصغرون حالتهم بجانب الفرس والروم، ثم فتحهما العرب وأخضعوهما لحكمهم، أو إن شئت فانظر في العصر الحاضر إلى اليابان كيف كانت، وإلى أين صارت، وقديما قالوا: «الدنيا دول»، وقالوا: «من سره زمن ساءته أزمان».
وهكذا الشأن في الرواية التمثيلية، جماعة يبلغون الأوج، وجماعة ينزلون إلى الحضيض في ساعات محدودة، بل لو وسعنا نظرنا لوجدنا رواية الدنيا يمثل فيها الحيوان والنبات أيضا، فنبات سرعان ما يفنى ولا يستطيع أن يصبر على حوادث الزمان، ونبات جلد صبور، يواجه الأحداث بقوة وثبات، ونمل ونحل يمثلان الجد والعمل المتواصل إلى بلوغ الغاية، وطاووس يزهى بنفسه، وكل زينته في جمال ذيله، فاجمع كل ذلك: نباتا وحيوانا وإنسانا، وبرا وبحرا، وروضة وقفرا، وسمكا وأسدا، ووردا وشوكا، وعسلا وحنظلا، تجد كل ذلك رواية أو روايات تمثل على مسرح الدنيا الواسع، فتبا للمتزمت الجاهل!
| الشافعي الأديب
يعرف الناس كلهم الشافعي الفقيه، ولكن قلما يعرفون الشافعي الأديب ... فالشافعي أول ما تثقف تثقف بالعربية؛ فقد كان قرشيا هاشميا، وربما كان هو القرشي الهاشمي الوحيد من أصحاب المذاهب، وساعده ذلك على دراسته اللغوية والأدبية؛ فقد تربى في بني أسد، وكان من أفصح العرب، وقد درس شعر الهذليين وأتقنه حتى إن الأصمعي درس شعر الهذليين عليه.
وكان إمامه في ذلك عبد الله بن عباس؛ فقد كان ابن عباس فصيح اللسان يعنى بعلم القرآن كما يعنى بالشعر ... حتى كان يحضر دروسه طالبو القرآن وطالبو الحديث وطالبو الفقه ورواة الشعر والعربية، وكذلك كان الشافعي يترسم خطاه ويسير على منواله؛ لأنه قريبه، تظهر فصاحته في كتابه «الأم» فعبارته جزلة بليغة تصح أن تحتذى، وله شعر كثير مروي حتى نسبوا إليه ديوان شعر مع أنه تعفف عن قول الشعر، وظن أن الشعر يزري بالعلماء، ونسبوا إليه:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أفصح من لبيد
فهو يعتز بالفقه ولكن لا يعتز بالشعر ... ولست أدري لماذا ذلك، فإن المهارة في الشعر ترفع مكانة صاحبه كمكانة الفقيه، فليس بشار بن برد ولا أبو نواس ولا أبو تمام أقل شأنا من فقهاء عصره ... فالنابغة في فنه ليس أقل من النابغة في فقه أو نحو، ولكن جرى على ذلك أهل عصره فكان عندهم أن الفقيه خير من النحوي والصرفي ومن الشاعر وعلى ذلك قال الشافعي شعره هذا.
ومن شعره الذي يرويه عنه قوله:
مرض الحبيب فعدته
فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني
فبرئت من نظري إليه
وقوله:
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها
ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وهو شعر كما ترى لا بأس به وإن لم يبلغ قدرا كبيرا، ولكن ربما منعه من التفوق في الشعر مانعان: الأول: أن الاشتغال بالفقه والإمعان فيه، كما يقول ابن خلدون، يضعف الملكة الشعرية والملكة البلاغية، وحكى ابن خلدون عن نفسه أنه منعه من التفوق في البلاغة والشعر حفظ المتون، وروى عن فقيه أنه تبحر في الفقه فأصيب في الشعر وقال:
لم أدر حين وقفت بالأطلال
ما الفرق بين جديدها والبالي
فإن قوله: ما الفرق بين كذا وكذا تعبير فقهي لا شعري ...
والثاني: أنه كان يرى أن الشعر يزري بالفقه فلم يطاوع في شعره نفسه، ولو أطلق لها العنان لأتى بخير مما قال. •••
على أنا لا نعده شاعرا ممتازا، فتعبيره في «الأم» كما قلنا تعبير جزل اللفظ رصينه عميق المعنى غزيره، وكما كان إماما في الفقه يتحلق الناس حوله فيأخذون عنه، كان يجلس بعد الضحى، فيأخذون عنه العربية، وقد اشتهر بحسن الصوت والإلقاء ... حتى إنه لما أراد أن يأخذ على مالك موطأه، أراد مالك أن يحيله على بعض أصحابه فألح الشافعي أن يسمع قراءته فلما سمعها مالك رضي أن يقرأه عليه، ومن تمكنه في الأدب أنه كان قوي الحجة، استطاع أن يحاج الرشيد فيفك قيده من أسر كان وقع فيه مع تسعة من أصحابه، كلهم قتل إلا هو، فعفا عنه، ومما أفاده في اللغة والأدب ومعرفة أخلاق الناس وعاداتهم كثرة رحلاته، فرحل من غزة إلى مكة ومن مكة إلى المدينة ثم إلى اليمن ثم إلى مصر، وفي كل مرة يلقى علماءها وأدباءها فيأخذ عنهم، ومن قوة حجته أنه استطاع وهو في مصر أن يزيح مذهب مالك وأبي حنيفة فيمكن من مذهبه، وكما أفادته هذه الرحلات في فقهه أفادته في أدبه، وفي ذلك يقول: