إن نظرة الإسلام إلى الألوهية، والدعوة إلى إله واحد يتساوى أمامه الناس جميعا تقضي على كل فكرة من شأنها وجود طبقة يكون لها الشفاعة أو الوساطة بين الله وخلقه، ولكن ما لبث المسلمون أن عادوا إلى سيرتهم الجاهلية الأولى، فاتخذوا أصنافا من الناس شفعاء يستشفعون بهم عند الله ويتقربون بهم إلى الله، متأثرين بالديانات القديمة، أما الإسلام نفسه فيدعو إلى أنه لا حجاب بين أي عبد مهما ضعف وبين الله، وقد عاب على النصارى واليهود اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.
ولعل السبب في ذلك، أن هذه العقيدة الصحيحة، عقيدة الإيمان بالله وحده، والخضوع له وحده، وعبادته وحده، تحتاج إلى رياضة شديدة في تصفية النفس من الشوائب، والنفوس القوية عادة تعشق التأله والاستعلاء، والنفوس الضعيفة سرعان ما تستسلم، وهذا مشاهد في كل أمة، وفي كل جماعة، وفي كل عصر، من عهد أن قال فرعون: «أنا ربكم الأعلى» ومن قبله ومن بعده.
وهؤلاء الأقوياء يتخذون لتألههم أشكالا وألوانا من المظاهر، فمنهم من يتأله بجنوده وبنوده، وكثرة ماله ونحو ذلك، ومنهم كبار المستبدين في أممهم مثل نابوليون، ومثل هتلر وستالين، ومنهم كبار أصحاب رؤوس الأموال في كل أمة، ونحو ذلك، كلهم يتألهون، وكل الناس حولهم تؤلههم، وإن لم يسم الأولون أنفسهم آلهة، وإن لم يسم الآخرون أعمالهم عبادة، ولكن العبرة بالحقيقة لا بالأسماء، والإسلام يكره هذا التأله بجميع أشكاله وألوانه، والمسلمون - مع الأسف - في كل عصورهم ما عدا الفترة الأولى لم يخل سلوكهم من تأله من جانب القوة، وعبادة وخضوع من جانب الضعف.
هذه ناحية من نواحي التأله والعبودية، يصح أن نسميها ناحية سافرة، وهناك ناحية أخرى من التأله والعبودية يصح أن نسميها محجبة؛ ذلك أن هناك قوما لم يكن لهم من قوة السلطان، وكثرة المال والجنود والعصبية، ما يمكنهم من الاستعلاء في الظاهر، فبحثوا عن وسائل للاستعلاء من طريق خفي، ولهؤلاء أمثلة كثيرة كالسحرة والمشعوذين والدجالين من رجال الدين الذين يدعون الاتصال بالغيب والاستمداد من السماء، وأن بينهم وبين الله نسبا، أو بينهم وبين الجن صلة، وأنهم يستطيعون بذلك أن يقربوا إلى الله من يشاءون، ويحرموا من الجنة من يشاءون، أو أنهم يستطيعون أن يسيطروا على قوانين الطبيعة في هذا الكون بسحرهم وتعاويذهم وتعزيمهم وما إلى ذلك، كل هؤلاء وأمثالهم لما فقدوا السلطة الظاهرة والقوة الدنيوية، لجئوا بمكرهم وحيلهم إلى ادعاء سلطة خفية يستمدون منها سلطانهم، ويبسطونها على السذج والبله، وكان من سوء الحظ وضعف العقل أن قبلت دعوتهم، وتألهوا هم الآخرون، وعبدهم أتباعهم، فكان في الدنيا مملكتان: مملكة السلطنة المادية، ومملكة السلطنة الغيبية، والناس موزعون في العبادة بين هؤلاء وهؤلاء، وكل هذا حرب على الإسلام في جوهر تعاليمه وهو الذي ينادي دائما، ويجعل شعاره دائما: أن لا إله إلا الله، وأن كل تأله باطل، وأن كل عبادة لغير الله باطلة، ولكن كم من المسلمين في العصور المختلفة استطاعوا أن يحتفظوا بهذه الوحدانية خالصة لم يشبها شيء من عبادة وتأله.
ومن الأسف أنه في كثير من عصور تاريخ المسلمين، تعاونت القوتان، الظاهرة والباطنة، والمادية والغيبية، على إفساد حال المسلمين، فتحالف الملوك الظلمة والسلاطين الغاشمة مع الدجالين من رجال الدين، والدجالين من المتصوفين، وأعملوا قوتهم في إفساد عقيدة الوحدانية، وفي تعديد الآلهة وعبادتها، واتخذوا لذلك وسائل لا تحصى، فالسلاطين الغاشمة تحيط مظاهرها بكل أنواع الجبروت والطغيان، ورجال الدين تضع لهم من الأحاديث مثل «السلطان ظل الله في أرضه» والخطباء والوعاظ يصرفون الناس عن المطالبة بحقوقهم بإفهامهم أن الفقر من الله والغنى من الله، وليس للجد ولا للعمل أي دخل في الغنى والفقر، وأن ظلم الظالمين إنما هو انتقام من الله لسوء سيرة المسلمين، ونحو ذلك من تعاليم تفسد الروح، وتذل النفس، وتمكن المتألهين من التأله، وتوجه الأذلة إلى عبادة المتأله، ولم يكن هذا من جوهر الإسلام في قليل، ولا كثير.