اعترافاتي
المعتزلة والمحدثون
الإسلام والمدنية الحديثة
الجامعة الإسلامية
النهضات الفكرية في الإسلام
جمع اللغة العربية1
ضيعة الأدب
كيف تتغير الأمم
مستقبل العالم
خواطر
لماذا كان الدين؟
تربية الإرادة
هل نحن مسئولون عن حياتنا الاجتماعية؟
الاحتكام إلى العقل
مركب النقص
الحياة السعيدة
صورة لغاندي وأخرى لستالين
ورقة بن نوفل
أسس الأخلاق في الإسلام
| فيض الخاطر (الجزء التاسع)
| فيض الخاطر (الجزء التاسع)
| وهو مجموعة مقالات أدبية واجتماعية
تأليف
الدكتور أحمد أمين
| الإسلام والمسلمون
من البديهي أنه يجب التفريق بين الإسلام في مبادئه وتعاليمه، كما يدل عليه القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وبين أعمال المسلمين من وقت أن اعتنقوا الإسلام إلى اليوم، فمن أراد الحكم على الإسلام فليرجع إلى أصوله الأولى، وينظر إلى جوهر تعاليمه ويزنها بميزان الحق والعدل، ومن الخطأ الفاحش أن يحكم على الإسلام بالمسلمين؛ فقد يكون الدين صحيحا، ومعتنقوه خارجين عليه، منحرفين عنه، فيكون الخطأ خطأ أصحابه لا خطأه هو، بل أحيانا يكون الدين فاسدا في جوهره وتعاليمه، ويرتقي معتنقوه، فتصدر عنهم أعمال فاضلة، لا تمت إلى دينهم الأصيل بسبب، وإنما هم الذين حوروا دينهم، وصاغوه صياغة خيرا مما كانت عليه - والحق أن الفرق كبير بين الإسلام نفسه، وعمل المسلمين في مختلف العصور، وأكاد أجزم بأن الإسلام لم يحي حياة عملية صحيحة طبق مبادئه إلا عصرا قصيرا جدا، وهو عصر الرسالة وما بعدها بقليل، وأما ما عدا هذه الفترة؛ فقد عاش المسلمون عيشة منحرفة عن الدين، وإن اختلف هذا الانحراف قلة وكثرة أو شدة وضعفا.
لننظر قليلا في أهم عنصر من عناصر الإسلام، وهو التوحيد الذي تبلور في قولنا: «لا إله إلا الله» فهل سار المسلمون عمليا واقتصاديا على هذا المبدأ، وإلى أي حد؟ - إن هذا المبدأ يدعو إلى اعتقاد أنه لا يصح تأليه غير الله، وعبادة غير الله، وأما من عداه من الناس فسواسية لا إله ولا مألوه، قد يختلفون في النسب، وقد يختلفون في الثورة، وقد يختلفون في غير ذلك، ولكنهم كلهم إخوة فيما بينهم، وعبيد لله وحده.
ولكن هذه العقيدة بعدم تأليه أحد من الناس، تحتاج إلى جهد جهيد في تطبيقها في الحياة العملية؛ إنها تحتاج إلى رياضة قوية، تحتاج إلى أن يحتفظ الضعفاء بإيمانهم، فلا يركعوا للأقوياء، وتحتاج إلى أن يلجم الأقوياء غرائزهم، فلا يحاولوا السيطرة على الضعفاء، وهذا مطلب ليس باليسير، وإن كان هو جوهر الإسلام.
ومن أجل هذا كان أسرع الناس إلى الإسلام أكثرهم من الضعفاء - لا من أصحاب السيطرة - كبلال وأمثاله؛ لأنهم وجدوا في الإسلام تحررا من عبوديتهم لغير الله، وكان أكبر المعاندين أصحاب السيطرة والتأله من مثل صناديد قريش، فلم يسلموا إلا أخيرا، وبعد عناد طويل، كأبي سفيان بن حرب في مكة، أو إسلاما ظاهرا بعد أن سدت الأبواب في وجوههم، كعبد الله بن أبي في المدينة، وأكبر سبب في تأخرهم، أنهم رأوا الإسلام يفقدهم تألهم وعظمتهم وربوبيتهم.
ولما فتح المسلمون فارس والروم، كان أغرب ما استرعى أنظارهم، عبادة الرعية لسادتهم؛ لما وقر في نفوسهم بسبب الإسلام من أنه لا معبود إلا الله، والقرآن مملوء بلعن الذين اتخذوا سادتهم أربابا، أو خلعوا القدسية والربوبية على رؤسائهم الدينيين، وكانت دعوة الإسلام دائما دعوة إلى عبادة الله وحده وعدم الاعتراف بربوبية أحد غيره
يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .
ولذلك حارب الإسلام الاعتزاز بالنسب، والاعتراف بالجاه، والاعتزاز بالمال؛ لأن كل ذلك من ضروب التأله، والإسلام عدو كل تأله.
ولكن لم يستطع كثير من المسلمين أن يحتفظوا بهذا المبدأ الجليل القويم، وظهر التراجع من أول عهد معاوية أو قبله أحيانا، فعاد الاعتزاز بالحسب والنسب، وأصبح ملك معاوية - كما عبر كثير من المسلمين - ملكا عضودا؛ فيه اعتساف، وفيه تأله، وخاصة من أهل بيته، وعادت الفروق بين الطبقات قريبا مما كانت في الجاهلية، وتتابع الأمر على هذه الحال، وكلما تقدم الزمن نمت غريزة التأله، كما كان في العصر العباسي وبعده؛ وبلغ ذلك التأله أوجه في مثل جنكيز خان وتيمورلنك وأشباههما.