تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أؤكد لك - أيها الشاب السائل - أن هذه الروح لو سادت فيك وفي إخوانك وحددت خطة البناء كما حددت خطة الهدم، وبذل الجهد في عمل ما آمنتم به، لتغير وجه الأمة في كثير من الأمور؛ ولكن وجه النقص أنكم تألمون ألما عاما مائعا غير محدود ولا مدروس، ولذلك يسرع إليه التبخر والفناء؛ فكم رأينا من شباب نقموا على الحاضر كما تنقم، وتمنوا الإصلاح كما تتمنى، فلما أفسح لهم الطريق، وشغلوا مراكز حكومية أو غير حكومية؛ تمكنهم مما كانوا يدعون من إصلاح، لم يأتوا بأي إصلاح، وجرفهم التيار السيئ، بل وفيهم من كانوا أسوأ من سلفهم، وشرا على الأمة ممن كانوا هم ينقدونهم.

إن نقد الحكومة والمصالح والهيئات ونحو ذلك، إذا كان صادرا عن مجرد الغرائز بالحب أو الكره، والميل أو النفور، والاستحسان أو الاستهجان، كان أليق بالحيوانات المتوحشة أو الإنسان البدائي؛ أما الإنسان المتمدن فيبني حبه وكرهه وميله ونفوره ونقده وتقريظه على الحجج المنطقية، والعلل العقلية، والبحوث العلمية، وهذا يسلمه إلى أن يبني إذا هدم، ويحيي إذا أعدم؛ فالشاب المثقف يجب أن ينقد نقدا علميا، ويؤسس حياته، ويوجه نفسه، حسبما درس ونقد؛ وإذ ذاك لا يسمح لنفسه أن يشتغل صحافيا في جريدة لا يوافق على خطتها، أو ينتسب إلى حزب سياسي لا يرضى عن مبادئه، أو يقبل وظيفة، ثم يعمل ما عابه على أسلافه من تأخير في مصالح الناس أو قبول المحسوبية، أو يكون آلة في يد الرؤساء يسخرونه لقضاء مآربهم ولو خالفت العدالة والقوانين.

إن الشاب الصالح يرفض كل ذلك في إباء، ولو أدى إلى حرمانه من مرتب كبير، أو ترقية سريعة؛ فإن فعلت أنت وأمثالك ذلك أصلحتم من الأمة قدرا لا يستهان به، وكونتم نواة لرأي عام صالح يجرف المفسدين والضالين.

قديما قالوا: إن الصبر عند الصدمة الأولى، فمتى انحنى الشاب في مستقبل حياته للتقاليد القديمة التي يمقتها، ومنى نفسه بالصلاح بعد الفساد، والاستقامة بعد الخنوع؛ فقد انهار كيانه وتقوض بنيانه، وخير لمن أراد أن يكف عن التدخين أو الخمر أن يكف بتاتا من أن يتذبذب بين الشرب والإقلاع، وخير لمن أصيب بحب خائب أن يقطع حبله من أن يؤسس حياته على أوهام.

إن للشرق - أيها الشاب - فلسفة للحياة يجب أن تتغير، عمادها نظرة الأقوياء إلى أنفسهم دون الضعفاء حولهم، وانتهاز الفرص للإكثار من دخلهم والاستمتاع به، ولو من غير أداء واجب، ورضا الضعفاء عن حالهم من غير سعي في تحسينه، أو جد في تقويمه؛ ولا بد من تعديل هذه الفلسفة إلى فلسفة أخرى، عمادها أن الضعيف إنسان كالقوي له حقوقه، والعدالة حق مشترك لكل مواطن، وضرورات الحياة يجب أن تتوافر للجميع، والحكومات خادمة للشعب لا مسيطرة عليه، وإنما الذي يسيطر على الحكومة والشعب العدل والقانون.

قد كان مبلغنا - نحن الشيوخ - نحو هذه الفلسفة الجديدة أن نتصورها، فليكن مبلغ الشباب مثلك أن يحققها، والسلام.

| المراهقة1

أصل رهق في اللغة بمعنى دنا وأزف، يقال: رهق مجيء فلان، إذا دنا وأزف، ويقال: صلى العصر مراهقا، أي مدانيا للفوات، فاستعملوا كلمة المراهق لمن دنا بلوغه، ولما لحظوا أن سن المراهقة طيش وخفة، قالوا: رهق الرجل إذا سفه وخف.

وهي بهذا الوضع ليست مساوية تماما لكلمة

adult

الإنجليزية؛ لأنهم يطلقونها على ما قبل البلوغ إلى سن النضج، فهي في اللغة الإنجليزية أطول منها زمنا.

ولا بد لنا من دراسة الأمور الآتية حين نريد أن نقرر القيمة الاجتماعية لجيل من ذوي الأسنان المتحدة: (1)

دراسة علمية للتطور البدني والعقلي. (2)

موقع أهل السن الواحدة من القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية، والواجبات، والامتيازات. (3)

مدى اشتراكهم في نواحي النشاط الاجتماعي والاقتصادي. (4)

الأفكار الدينية والأخلاقية الناتجة عن سلوكهم وقيمتهم الاجتماعية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٠٠