ولقد كان السلف رحمهم الله تعالى يوصون طلابهم بطلب العلم، ويرون فيه العصمة- لمن وفقه الله تعالى- من فتنة الشبهات ودفع وساوس شياطين الإنس والجن. فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب العلم قال: "قال ابن وهب: كان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم، فولع بي الشيطان في ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام. وكيف خلقه الله تعالى؟ ونحو هذا فشكوت ذلك إلى شيخ فقال لي: ابن وهب قلت: نعم، قال: أطلب العلم. فكان سبب طلبي العلم "(1) .
ومن الفقه بالشرع الفقه بمقاصده وقواعده الفقهية لأن الجهل بهذه القواعد أو الغفلة عنها يوقع في الانحراف والشطحات من يفتي للناس
دون مراعاة لمآلات الفتوى، والتي هي مرتبطة بقاعدة سد الذرائع، أو من يفتي بالضرورة والمصالح دون الإلمام بضوابط الضرورة والمصلحة. والحاصل أن البصيرة في الدين ومقاصد الشريعة تقي بإذن الله تعالى من مخالفة الاستقامة وأهلها إذا وجد الإخلاص والتجرد عن الهوى.
2- التؤدة وا لأناة وعدم العجلة.
إن العجلة والتسرع وترك التؤدة والأناة في الأمور لهي من أخطر الأبواب التي تدخل منها الشبهات إلى القلوب، وبالتالي يقع الانحراف ومخالفة طريق أهل الاستقامة سواء في المعتقد أو العمل، بينما لو حصل التأني وعدم التسرع في قبول ما يطرح من أفكار، لكان في ذلك فرصة لمزيد من البحث والمشورة وعرض كل ما يطرح على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفهم الصحابة ?. وقد مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - التؤدة في الأمور بقوله: (( التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة)) (2) .
ومن ذلك عدم التسرع والعجلة في إفتاء الناس قبل معرفة حكم الله
عز وجل، ومعرفة الواقعة التي يستفتون عنها من جميع جوانبها وما يترتب عليها.
(1) سير أعلام النبلاء10/ 31.
(2) أبو داود في الأدب (4810)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1794 ) .