والمقصود من كل ما سبق بيانه حول قاعدة تغير الفتوى بتغيير الأزمنة والأمكنة والعوائد... إلخ التأكيد على أن هذه القاعدة لها ضوابطها، وأنها لا تعني تغير أحكام الله تعالى وتبديلها، فإن هذا لا يكون إلا بالنسخ والنسخ قد أغلق بابه بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وإنما المقصود بيان أن من
الأحكام ما هو مرتبط بمناطاتها من الأحوال والأزمنة والأمكنة والعوائد والأعراف، والتي تؤثر بدورها في فتوى المفتي جوازاً، أو منعاً، كما مر بنا في الأمثلة السابقة.
ومع وضوح هذا الأمر فإن هناك ممن يتبع الشبهات ويميل مع الشهوات يريد أن يتكئ على هذه القاعدة في تغيير أحكام الله تعالى وانسلاخ الناس منها لتغير الزمان أو المكان. وأن من الأحكام ما لا يصلح في هذا العصر ولا يواكب تطوراته ويقول قائلهم: لقد تغير الزمن اليوم وأصبح كشف عورات النساء واختلاطهن بالرجال أمراً عادياً وتقليداً معروفاً، خصوصاً وقد أصبح لهن من ضرورات الخروج إلى الوظائف والمصانع ما يصعب عليهن معه التستر، فلتتغير الفتوى في ذلك إلى ما يناسب حال العصر. أو يقول: لقد كان تحريم الربا يوم لم تكن شؤون المال والاقتصاد معقدة بالشكل الذي نراه اليوم. أما الآن فلا بد من تغيير الحكم والفتوى حسب ما آلت إليه حال الزمان والناس !! ومما يزيد المصيبة شناعة أن هؤلاء القوم يهرفون بما لا يعرفون ويتشبعون بما لم يعطوا، ومالهم من علم الشريعة وقواعدها وأدلتها من حظ ولا نصيب ؟ وقد يكون لبعضهم شيء من العلم لكنهم كما قال شيخ الإسلام عن علماء الكلام: "أوتوا علوماً ولم يؤتوا فهوماً، وأوتوا ذكاء ولم يؤتوا زكاءً "
نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا.
المبحث الثالث
ذكر بعض المخالفات في السلوك و المعاملات