ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلام نفيس في ذكره بعض الضوابط الدقيقة التي يفرق بها بين المصلحة الشرعية والمصلحة الملغاة أو البدعة. يقول رحمه الله تعالى بعد ذكره للفروق بين البدعة والمصلحة: "والضابط في هذا- والله أعلم- أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئاً إلا لأنهم يرونه مصلحة، إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين. فما رآه الناس مصلحة نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان السبب المحوج إليه. أمراً حدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير تفريط منا؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لكن تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعارض زال بموته.
وأما مالم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث؛ فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موجوداً لو كان مصلحة ولم يفعل، يعلم أنه ليس
بمصلحة. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصيه الخلق، فقد يكون مصلحة...
... فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة، وهو مع
هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير واحد من الصحابة: (( إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون)) (1) .
(1) أورده الألباني في الصحيحة بلفظ: (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) رقم (1582).