ويكفى في فراسته موافقته ربه في المواضع المعروفة - وفراسة الصحابة - رضى الله، عنهم - أصدق الفراسة، وأصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بدلك ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطيء أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها (1)؟ ومن هنا كان علينا أن نتقى فراسة المؤمن، لأنه يزى بنور الله.
وإمامنا فخر الدين الرّازى أشار إلى هذا النوع من الفراسة في مقدمة كتابه هذا مبينا أنه لا يكتسب بالتعلم، ولهذا قصر اهتمامه على نوع واحد من "الفراسة" ألا وهو:
الفراسة "الخلقية". وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخلق على الخلق؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله تعالى! وأمام انتشار الشر، وظهور الفساد في البر والبحر، وعدم تيسر الوسائل العلمية الحديثة للجميع كان لا بد من الإلمام بهذا العلم لمعرفة أخلاق الناس في الخير والشر. وفراسة المتفرس تتعلق بثلاثة أشياء: بعينه، وأذنه، وقلبه.
ولكنها تعتمد - أول ما تعتمد - على جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.
كما تعتمد على ظهور العلامات والأدلة على من نتفرس فيه.
وهذا كله يتوقف على ما إذا خلّيت النفس وطبيعتها فقد يكتسب الإنسان بالمقارنة والمعاشرة اخلاق من يقارنه ويعاشره!! وعندئذ تصبح تلك العلامات أسبابا لا موجبة، فقد تتخلف عنها أحكامها لفوات شرط، أو لوجود مانع، وعلينا أن نتأمل ذلك ولا نعجل بالحكم دون رعايته.
(1) الأنعام: (122).