وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .
ومع هذا فلم يكن القرآن جميعه في متناول الصحابة جميعا يستطيعون أن يفهموه - إجمالا وتفصيلا - بمجرد أن يسمعوه، ليس بصحيح ما يقوله ابن خلدون من «أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغاتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكبيه»
1
لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضي أن العرب كلهم يفهمونه في مفرداته وتراكيبه؛ والدليل على ذلك ما هو حاصل في مشاهداتنا الأولى، فليس كل كتاب مؤلف بلغة يستطيع أهل اللغة كلهم أن يفهموه، فكم من كتب إنجليزية وفرنسية لا يستطيع الإنجليز أو الفرنسيون أنفسهم أن يفهموها؛ لأن فهم الكتاب لا يتطلب اللغة وحدها، وإنما يتطلب درجة عقلية خاصة تتفق ودرجة الكتاب في رقيه؛ هكذا كان شأن العرب أمام القرآن، فلم يكونوا كلهم يفهمونه إجمالا وتفصيلا ، إنما كانوا يختلفون في مقدار فهمه حسب رقيهم العقلي، بل إن ألفاظ القرآن أنفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها، كما لم يدع أحد أن كل فرد في أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها، وحسبنا على ذلك ما روي عن أنس بن مالك أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله تعالى:
وفاكهة وأبا ، ما الأب؟ فقال عمر: «نهينا عن التكلف والتعمق»، وروي عن عمر أيضا أنه كان على المنبر فقرأ:
أو يأخذهم على تخوف ، ثم سأل عن معنى التخوف، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص، ثم أنشده:
تخوف الرحل منها تامكا قردا
كما تخوف عود النبعة السفن
2
ونحن نعلم قدر عمر في الدين والعلم، فكيف بغيره من الصحابة؟ إنما كان كثير من الصحابة يكتفون بالمعنى الإجمالي للآية، فيكتفون من قوله تعالى:
وفاكهة وأبا ، بأنه تعداد لنعم الله، ولا يلزمون أنفسهم بتفهم معاني الآيات تفصيلا.
وفوق ذلك، ففي القرآن آيات كثيرة لا يكفي في تفهمها معرفة ألفاظ اللغة وأساليبها، مثل:
والعاديات ضبحا ،
والذاريات ذروا ، وما المراد بالليالي العشر في قوله تعالى:
والفجر * وليال عشر ؟ وما المراد بليلة القدر؟ إلى كثير من أمثال ذلك، وفيه إشارات كثيرة إلى أشياء في التوراة والإنجيل ورد عليهم ليس يكفي في فهمها معرفة اللغة، والله تعالى يقول:
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ...
الآية
3 .
الحق أن من البديهي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتفاوتون مقدرة في فهم القرآن ومعرفة معانيه. •••
ولم يكن شائعا في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم
حفظ القرآن جميعه كما شاع بعد، إنما كانوا يحفظون السورة أو جملة آيات ويتفهمون معانيها، فإذا حذقوا ذلك انتقلوا إلى غيرها، فكان حفظ القرآن موزعا على الصحابة، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين يقرءون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي
صلى الله عليه وسلم
آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا فيها من العلم والعمل، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا (رواه أحمد في مسنده)، وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثماني سنين، ذلك أنه إنما كان يحفظ ولا ينتقل من آية إلى آية حتى يفهم. •••
في القرآن آيات كثيرة محكمة واضحة المعنى، وهي التي تتعلق بأصول الدين وأصول الأحكام، وخاصة منها الآيات المكية التي تدعو إلى أصول الدين كسورة الأنعام؛ وهذا النوع من الآيات يستطيع فهمه جمهور الناس ولا سيما من كانوا عربا بسليقتهم؛ وفي القرآن آيات غامضة هي التي سميت متشابهة، صعب فهمها، ولم يصل إلى معرفتها إلا الخاصة.
وكان الصحابة - على العموم - أقدر الناس على فهم القرآن؛ لأنه نزل بلغتهم، ولأنهم شاهدوا الظروف التي نزل فيها القرآن.