تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان يحج ويعتمر ويأتي الشام ثم يرجع إلى مصر، وابتنى فيها دارا فلم يزل بها حتى مات، فدفن في داره في مصر - على أحد الأقوال - في خلافة عبد الملك بن مروان.

ويعد بحق مؤسس المدرسة المصرية، فقد أخذ عنه كثير من أهل مصر، وكانوا يكتبون عنه ما يحدث، روى المقريزي عن حيوة بن شريح قال: «دخلت على حسين بن شفي بن مانع الأصبحي وهو يقول: فعل الله بفلان، فقلت: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أحدهما: قضى رسول الله في كذا، وقال رسول الله كذا؛ والآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب»

27 .

وقد اشتهر من مدرسة مصر بعد الصحابة يزيد بن أبي حبيب، وهو نوبي الأصل من دنقلة، وقد أخذ العلم عن بعض الصحابة المقيمين بمصر، قال الكندي: إنه أول من نشر العلم بمصر في الحلال والحرام ومسائل الفقه، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون في الفتن والترغيب، وكان ثالث ثلاثة جعل عمر بن عبد العزيز الفتيا إليهم بمصر، رجلان من الموالي ورجل من العرب، فأما العربي فجعفر بن ربيعة، وأما الموليان فيزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي جعفر، فكأن العرب أنكروا ذلك، فقال عمر بن عبد العزيز: ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون

28 ، وقد كان يزيد عالما بالفتن والحروب، وخاصة ما يتعلق بفتح مصر وشئونها وولاتها، وهو أحد الأركان الذين نقل عنهم الكندي كتابه: «ولاة مصر وقضاتها».

وكان من أشهر تلاميذ يزيد هذا عبد الله بن لهيعة، والليث بن سعد، فأما عبد الله فعربي، أصله من حضرموت - وما أكثر الحضارمة كانوا في مصر - وقد قابل كثيرا من التابعين وأخذ عنهم، وكان يدون ما يسمع، وكثير من المحدثين كالبخاري والنسائي لا يثق به، ومن الأسف أن كثيرا من حوادث تاريخ العرب في مصر نقلت عنه، وكان هو العمدة في روايتها، وقد ولي القضاء بمصر نحو تسع سنين.

أما الليث بن سعد فمن الموالي على أصح الأقوال، أصله من أصفهان في فارس، ولكن الراجح أنه ولد في مصر في قلقشندة، وقد طوف في كثير من البلدان لأخذ العلم، فرحل إلى مكة وبيت المقدس وبغداد، ولقي تسعة وخمسين تابعيا حدث عنهم، وكان له اتصال بالإمام مالك في المدينة، يكاتبه في مسائل في التشريع ويحاجه، ويروون أن الشافعي قال: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به»، وكان ذا منزلة رفيعة في قومه، يستشيره الولاة والقضاة في عظائم الأمور، ثقة لم يشك أحد في صدقه وأمانته، وكان له مذهب خاص يعرف به، وقد قلده المصريون واتبعوه، ولكن ضاع مذهبه كما ضاع مذهب الأوزاعي في الشام. •••

نأخذ مما سبق أنه بعد فتح الممالك تفرق الصحابة في الأمصار، وكان من هؤلاء الصحابة علماء رحلوا للتعليم فكانوا نواة لمدارسها، وأن هؤلاء الصحابة العلماء كانت لهم شخصيات علمية مختلفة كان لها أثرها في مدارسهم، وأن أكبر الشخصيات تأثيرا في الأمصار هي: عبد الله بن عمر في المدينة، وعبد الله بن مسعود في الكوفة، وعبد الله بن عباس في مكة، وعبد الله بن عمرو بن العاص في مصر، لم يكن هؤلاء الصحابة يحيطون علما بكل ما قاله النبي

صلى الله عليه وسلم

وفعله، وبكل ما يتعلق بتعاليم الدين، بل كان منهم من صحب النبي في بعض الأوقات دون بعض، ففاته - حين لم يصحبه - علم حمله غيره، لذلك علم كل منهم شيئا وغاب عنه شيء، واستتبع هذا أن بعض الأمصار كان يعرف من الحديث ما لم يعرفه الآخر، خلف هؤلاء الصحابة التابعون فتلقوا عنهم، وحلوا محلهم في رفع لواء العلم؛ وشعر كثير منهم بأن في الأمصار الأخرى علما غير علمهم، فأكثروا من الرحيل، فكانت هناك حركة دائمة للعلماء، فمصري يرحل إلى المدينة، ومدني إلى الكوفة، وكوفي إلى الشام، وشامي إلى هنا وهناك، وهكذا عملوا على توحيد الوطن العلمي، وكان من أثر هذا التقليل من الفروق التي سببتها الشخصيات العلمية المختلفة للصحابة، وأخذ عن التابعين طبقات أتت بعدهم سارت على مناهجهم.

فجر الإسلام · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٩١