تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنود ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة

34 .

وقد نما القصص بسرعة؛ لأنه يتفق وميول العامة، وأكثر القصاص من الكذب حتى رووا أن علي بن أبي طالب طردهم من المساجد واستثنى الحسن البصري لتحريه الصدق في قوله.

ويظهر أنه اتخذ أداة سياسية من عهد الفتن بين علي ومعاوية، يستعين بها كل على ترويج حزبه والدعوة له، يدلك على ذلك ما نقلنا عن الليث بن سعد، وما روى ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب أن عليا رضي الله عنه قنت فدعا على قوم من أهل حربه، فبلغ ذلك معاوية، فأمر رجلا يقص بعد الصبح، وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشام.

وارتفع شأن القصص حتى رأيناه عملا رسميا، يعهد به إلى رجال رسميين يعطون عليه أجرا، فنرى في كتاب القضاة للكندي أن كثيرا من القضاة كانوا يعينون قصاصا أيضا، فيقول: إن أول من قص بمصر سليمان بن عتر التجيبي في سنة 38ه، وجمع له القضاء إلى القصص، ثم عزل عن القضاء وأفرد بالقصص.

ولا تهمنا هذه النواحي الرسمية، إنما يهمنا ما كان منه من صبغة تشبه العلمية، ونرى أن هذا القصص هو الذي أدخل على المسلمين كثيرا من أساطير الأمم الأخرى كاليهودية والنصرانية، كما كان بابا دخل منه على الحديث كذب كثير، وأفسد التاريخ بما تسرب منه من حكاية وقائع وحوادث مزيفة أتعبت الناقد وأضاعت معالم الحق.

ولا بد أن نشير هنا إلى منبعين كبيرين لهؤلاء القصص وأمثالهم، تجد ذكرهما كثيرا في رواية القصص وفي التاريخ وفي الحديث وفي التفسير، هما: وهب بن منبه، وكعب الأحبار.

فأما وهب بن منبه فيمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا وله أخبار كثيرة وقصص تتعلق بأخبار الأول ومبدأ العالم وقصص الأنبياء، وكان يقول: قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتابا، وقد توفي حول سنة 110ه بصنعاء، وأما كعب الأحبار أو كعب بن مانع فيهودي من اليمن كذلك، ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر أو عمر على خلاف في ذلك - وانتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثم إلى الشام، وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس - وهذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات - وأبو هريرة، ولم يؤثر عنه أنه ألف كما أثر عن وهب بن منبه، ولكن كل تعاليمه - على ما وصل إلينا - كانت شفوية، وما نقل عنه يدل على علمه الواسع بالثقافة اليهودية وأساطيرها، جاء في الطبقات الكبرى حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد الله بن عبد القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب يقرأ

35 ، وقد لاحظ بعض الباحثين أن بعض الثقات كابن قتيبة والنووي لا يروي عنه أبدا، وابن جرير الطبري يروي عنه قليلا، ولكن غيرهم كالثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيرا في قصص الأنبياء كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك، ويروي ابن جرير أنه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل في التوراة، قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنه قد فني أجلك.

وهذه القصة إن صحت دلت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلاقه فيما ينقل.

وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح.

وقد أنحى باللوم كثير من العلماء على القصاص والوعاظ، كما فعل الغزالي في كتابه «الإحياء» فقد عد عملهم من منكرات المساجد، لما كانوا يقترفون من كذب، واستثنى الحسن البصري وأمثاله.

والحق أن الحسن البصري كان قاصا من نوع آخر، فلم يكن ينحو منحى الذين يعتمدون على الإسرائيليات والنصرانيات، إنما كان يعتمد على التذكير بالآخرة ونحوها؛ ويستخرج العظة مما يقع حوله من حوادث؛ فقد كان يجلس في آخر المسجد بالبصرة وحوله الناس يسألونه في الفقه وفي حوادث الفتن التي كانت في عهده، ويحدثهم بما صح عنده من حديث، ويقص عليهم فيعظهم ويذكرهم؛ فمما أثر من قصصه قوله: «يا بن آدم لا ترض أحدا بسخط الله، ولا تطيعن أحدا في معصية الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله؛ ولا تلومن أحدا فيما لم يؤتك الله، إن الله خلق الخلق فمضوا على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه فليزدد بحرصه في عمره، أو يغير لونه أو يزد في أركانه أو بنانه»، وكقوله: «يا بن آدم لم تكن فكونت، وسألت فأعطيت، وسئلت فمنعت، فبئس ما صنعت»، ثم يكرر ذلك مرارا، وله أقوال كثيرة من هذا النحو مبثوثة في كتب الأدب.

فجر الإسلام · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٧٦