30
وكثير من هذا النوع روي حول ما ورد في القرآن من قصص الأنبياء، كذلك كان للفرس تاريخ وكان لهم أساطير، فلما أسلموا رووا تاريخهم، ورووا أساطيرهم، وكذلك فعل النصارى، فكانت هذه الروايات والأساطير عن الأمم المختلفة مبثوثة بين المسلمين، ومصدرا من مصادر الحركة التاريخية عندهم.
وهذان النوعان هما بالقصص أشبه منهما بالتاريخ. (ثالثها):
وهو أهمها: أن المسلمين بدءوا من أول أمرهم يجمعون الحديث، وفي الحديث مناح شتى من القول، ففيه ما كان يفعله النبي
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من عبادات وتشريع في المعاملات والجنايات، وفيه أقوال للوعظ والإرشاد، وفيه قسم تاريخي لا يستهان به، فأحاديث تتعلق بحياة النبي في مكة وهجرته، وحياته في المدينة وغزواته، وأعمال لأبي بكر، وفتوحات عمر ونحو ذلك، وكلها حوادث تاريخية نثرت في الحديث، وعني بها بعض الصحابة، كالذي رأيت في عبد الله بن عمر، وكانت هذه الأحاديث التاريخية أساسا لما ألف بعد من كتب السير والمغازي، فقد أفردت وأضيف إليها ما لم يتحر فيه تحري ثقات المحدثين، والدليل على أن أصل هذه السير والمغازي هو الحديث ما تجده من وجوه شبه كبير في الأسلوب وفي طريقة سرد الوقائع وحكايتها.
وقد عني المسلمون من العصر الأول بإفراد ما يتعلق بالسير والمغازي في كتب خاصة، فقد روي أن وهب بن منبه (34-110ه) ألف كتابا في المغازي، كما رووا أن عروة بن الزبير بن العوام (23-94ه) وهو من أشهر فقهاء المدينة ومحدثيها كان أقدم من ألف في سيرة رسول الله، ومثله معاصره أبان بن عثمان بن عفان (22-105ه) فقد جمع له تلميذه عبد الرحمن بن المغيرة (المتوفى قبل سنة 125ه) كتابه في سيرة الرسول.
كذلك رووا أن ابن شهاب الزهري (51-124ه) جمع كتابا في المغازي، ومثله موسى بن عقبة (المتوفى سنة 141ه)
31 .
ويظهر أن النمط الذي اتبع في تأليف هذه الكتب كان جمع الأحاديث المتعلقة بالسيرة أو المغازي لا أكثر من ذلك، وعلى الجملة فلعل هذا الباب كان أقرب من سابقيه إلى معنى التاريخ.
وكل ذلك يدلنا على ما ذكرت من انتشار حركة تاريخية واسعة، وإن لم تصبغ بالصبغة العلمية الدقيقة.
القصص: ويتصل بهذا النوع ما يعرف في ذلك العهد بالقصص، وقد استحدث في صدر الإسلام، فقد روي عن ابن شهاب أن «أول من قص في مسجد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
تميم الداري، استأذن عمر أن يذكر الناس فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يذكر الناس في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر، فاستأذن تميم عثمان بن عفان فأذن له أن يذكر يومين في الجمعة فكان تميم يفعل ذلك»، وفي رواية أخرى عن الحسن أنه سئل: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان، فسئل: من أول من قص؟ قال: تميم الداري.
وتميم هذا كان نصرانيا من نصارى اليمن أسلم في سنة تسع من الهجرة، وقد ذكر للنبي
صلى الله عليه وسلم
قصة الجساسة والدجال
32 ، وكان يترهب حتى قال عنه أبو نعيم: «إنه راهب أهل عصره»، وهي نزعة نصرانية بقيت عنده في الإسلام، ويذكرون أيضا أنه أول من أسرج السراج في المسجد.
وتكاد الروايات تتفق على أنه أول قاص، ولم أقف على ما كان يقصه؛ ولكن نظرة في حديث الجساسة والدجال، وفي أقوال له أخرى كثيرة منثورة، كالذي روي أن روح بن زنباع زار تميما الداري فوجده ينقي شعيرا لفرسه وحوله أهله، فقال له روح: أما كان في هؤلاء من يكفيك؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: ما من امرئ مسلم ينقي لفرسه شعيرا ثم يعلقه عليه إلا كتب الله له لكل حبة حسنة
33 ، تدلنا على عقليته ونوع قصصه، ومنحاه فيما يروي.
وصورة هذا القصص، أن يجلس القاص في مسجد وحوله الناس فيذكرهم بالله ويقص عليهم حكايات وأحاديث وقصصا عن الأمم الأخرى وأساطير ونحو ذلك، لا يعتمد فيها على الصدق بقدر ما يعتمد على الترغيب والترهيب، قال الليث بن سعد: هما قصصان: قصص العامة وقصص الخاصة؛ فأما قصص العامة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم، فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه؛ وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولى رجلا على القصص فإذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده ومجده وصلى على النبي