هذا مثل واضح، وهناك أمثلة عديدة من هذا القبيل، فالأرض الصحراوية بما فيها من رمال ونجود ووهاد، وما فيها من كلأ وأعشاب وحشرات وهوام، كل ذلك وصفه العرب، ووضعوا له الأسامي المختلفة؛ فالأرض الصلبة والغليظة والمستوية، والواسعة والمطمئنة، والمجدبة والمخصبة، والهضاب والوديان، قد شرح كل نوع منها ووضع له اسم وأسماء، أما البحار وما حوته من أنواع الأسماك والأصداف والأمواج، ومختلف المياه، فليست اللغة غنية فيها، إلى كثير من الأمثلة، وحسبك دليلا على هذا أنك إذا نظرت في كتاب كالمخصص لابن سيده - وميزته أنه يجمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد - أمكنك أن تقارن هذه المقارنة بوضوح، فقد استغرق فيه الكلام على الإبل وما يتعلق بها 176 صفحة كبيرة عدا ما ذكر متفرقا في مواضع أخرى منه، على حين أن السفينة استغرقت منه أقل من سبع صفحات، وبعبارة أخرى: إن الكلام على الإبل أخذ نحو جزء من أجزاء الكتاب السبعة عشر، فأنت إذا قلت: إن ما ورد في كلام العرب مما يتعلق بالإبل جزء من سبعة عشر جزءا من مجموع اللغة العربية، لم تكن بعيدا عن الحقيقة، وهي نسبة جد كثيرة، ولكنه الجمل عماد الحياة العربية البدوية.
هذا في المحسات، وإنك تجد مثله في المعنويات فكلمات السرور واللهو واللعب والمزاح، أقل من كلمات البؤس والقتال والحزن والويل، ألم ترهم تفننوا في الداهية، فصاروا يخترعون لها من الأسماء ما أتعب اللغويين؟! حتى جمع حمزة من أسمائها ما يزيد على أربع مئة، وحتى قالوا: إن كثرة أسماء الدواهي من الدواهي! ذلك لأن طبيعة البيئة تستدعي ذلك، فهي بيئة شقاء وفقر، لا بيئة رخاء ونعيم.
وإن أنت نظرت إلى الأدب العربي في الجاهلية رأيت هذا بعينه، فكم استغرق الجمل والناقة من الشعر وخيال الشاعر! وكم استغرق وصف الأرض سهلها وحزنها! وكذلك إنما كان يمدح الشعراء ممدوحهم؛ ويرثون ميتهم بالأخلاق الفاشية لعهدهم، من كرم وشجاعة؛ وكان للبطولة ووصف عاطفة الحماسة، والتمدح بشن الغارة ورد العدو، المنزلة العالية، وكذلك قل في تشابيههم وأمثالهم، فكلها منتزعة من نوع معيشتهم وصورة صادقة لحياتهم. •••
ومظاهر الحياة العقلية في الجاهلية هي اللغة والشعر والأمثال والقصص، وهي - فقط - مظاهر عقلهم ، أما العلم والفلسفة فلا أثر لهما عندهم؛ لأن الطور الاجتماعي الذي أبناه لا يسمح لهم بعلم ولا فلسفة، نعم كان عندهم معرفة بالأنساب، ومعرفة بالأنواء والسماء، ومعرفة بشيء من الأخبار، ومعرفة بشيء من الطب، ولكن من الخطأ البين أن تسمى هذه الأشياء علما كما يفعل الألوسي وغيره فيقول: ومن علومهم علم الطب، وعلم الأنواء، وعلم السماء، ثم يشيدون بذكر ذلك حتى يوهموك أنه كان عندهم علم منظم بأصول وقواعد؛ فإن ما كان عندهم من هذا القبيل لا يتعدى معلومات أولية، وملاحظات بسيطة، لا يصح أن تسمى علما ولا شبه علم، أما القواعد والبحث المنظم الذي يسمى علما؛ فلا عهد للعرب الجاهليين به، وأصدق تعبير عن ذلك ما قاله ابن خلدون في مقدمته - عند كلامه على علم الطب - قال:
وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه وربما يصح منه البعض؛ إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا على موافقة المزاج، وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره
2 .
ومثل هذا يقال فيما ورد عنهم من الكلام في الأنواء والسماء؛ فهي معلومات بنيت على تجربة ناقصة تصيب حينا وتخطئ أحيانا؛ ويتناقلها الناشئون على آبائهم، كذلك لا أثر للمذاهب الفلسفية عندهم - لما بينا من قبل - ولا تعتد بقول الذين يبحثون عن أبيات من الشعر الجاهلي وجدت فيها خطرات فلسفية، فيزعمون أنها مذاهب فلسفية، فإذا قال الأعشى: