وشيء آخر لا بد من النظر إليه، وهو تأثير هذه الصحراء في النفوس؛ ذلك أن الحياة في الصحراء قليلة إذا قيست بحياة الخضر، سواء في ذلك حياة النبات أم الحيوان أم الإنسان، قد عريت أرضها - غالبا - من آثار البشر، فلا أبنية ضخمة، لا مزروعات واسعة، ولا أشجار باسقة؛ فابن الصحراء يقابل الطبيعة وجها لوجه، لا شيء يحول دون التفاته إليها، تطلع الشمس فلا ظل، ويطلع القمر والنجوم فلا حائل، تبعث الشمس أشعتها المحرقة القاسية فتصيب أعماق نخاعه، ويسطع القمر فيرسل أشعته الفضية وادعة فتبهر لبه، وتتألق النجوم في السماء فتملك عليه نفسه، وتعصف الرياح العاتية تدمر كل ما أتت عليه! أمام هذه الطبيعة القوية ، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القاسية، تهرع النفوس الحساسة إلى رحمن رحيم، وإلى بارئ مصور، إلى حفيظ مقيت، إلى الله! ولعل هذا هو السر في أن الديانات الثلاث التي يدين بها أكثر العالم؛ وهي اليهودية والنصرانية والإسلام، نبعت من صحراء سينا وفلسطين وصحراء العرب.
الحق أن السكون المخيم على الصحراء يملأ النفوس المستعدة روعة، ويكسبها صفاء، شيء في الصحراء من صنع الإنسان، بل الكل من صنع الله، لا يقع نظر الناظر على شمس تسطع، ونجوم تناغي، وقمر يحدث، ورياح تلعب في جو فسيح مفتوح، الملك يستولي على النفس الصافية حالة لا يفقهها ساكن المدن.
للصحراء موسيقى ذات نغمة واحدة متكررة، موسيقى عابسة قاسية، رهيبة أليمة، فلا عجب أن ترى أهلها قد استولى عليهم نوع من انقباض النفس أو الكآبة أو الوجد، أو ما شئت فسمه، ولا عجب أيضا أن يتغنى شعراؤها بنوع واحد من القول ونغمة واحدة؛ لأن الصحراء توقع على نفوسهم صوتا واحدا، فيشعرون - كما تلقوا - شعرا واحدا.
هم نتيجة إقليم طليق؛ لا يصد هواءه بناء، ولا يحجب شمسه غيم، ويحبس أمطاره وسيوه سد، كل شيء فيه حر على الفطرة، فهم كذلك أحرار كإقليمهم، لم يحبسهم زرع يتعهدونه، ولا صناعة يعكفون عليها، كذلك تحررت نفوسهم من قيود حكومة ونظام، اللهم إلا شيئين قيدا عقولهم ونفوسهم: قيد دينهم الوثني وما يتطلبه من شعائر وتكاليف، وقيد تقاليد القبيلة وما يستلزمه من واجبات شاقة، وقد كانوا لتقاليد قبيلتهم أشد إخلاصا وأقوى إيمانا. •••
هذا النوع من البيئة حدد نوع معيشتهم، فهم رحل، يتطلبون الكلأ، وهم فقراء ثروتهم في كثرة ماشيتهم، وهذه الثروة تحت رحمة الطبيعة، فقد تنفق الماشية، وينضب ماء الآبار، ويقل المطر فيقل المرعى، ويسوء العيش، وبحق سموا المطر غيثا؛ وهذا النوع من البيئة أيضا حدد نوع أخلاقهم وعقليتهم؛ أليس البؤس هو الذي جعل الكرم وإطعام الطعام، وإيقاد النيران يهتدي بها الضيفان في مقدمة الفضائل؟! أوليس هذا الفقر هو الذي حبب إليهم الإغارة فأشادوا بذكر حمى القبيلة، وعيروا من قصر في الدفاع عنها، واسترخصوا النفوس في سبيل حمايتها؟! وإذا كانت الحياة بين إغارة ودفع مغير، والسبل كلها غير آمنة، ولا حكومة تقتص من جان أو تحمي طريقا؛ أفليسوا إذا في حاجة لأن يعدوا الشجاعة والوفاء والعفو من كبريات الفضائل؟ وهكذا قل في عقليتهم، فالعدل والظلم والخير والشر وما يذم وما يمدح، كله تابع لما تواضعوا عليه، وما تواضعوا عليه تابع لنوع معيشتهم.
وأنت إذا نظرت إلى اللغة العربية، والأدب العربي في ذلك العهد رأيته نتيجة طبيعية لتلك الحياة، وصورة صادقة لهذه البيئة، فألفاظ اللغة - مثلا - في منتهى السعة والدقة، إذا كان الشيء الموضوع له اللفظ من ضروريات الحياة في المعيشة البدوية، وهي قليلة غير دقيقة فيما ليس كذلك، فالإبل هي عماد الحياة البدوية، هي خير مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومركبهم، فحياة العرب في الصحراء تكاد تكون مستحيلة لولا فضل الجمل، من أجل هذا ملئت اللغة العربية بالإبل، فلم يترك العرب صغيرة ولا كبيرة - مما يتعلق بها - إلا وضعوا لها اللفظ أو الألفاظ؛ فوضعوا الألفاظ لها، ولحملها ونتاجها، ووضعوا الأسماء لأسنانها (أعمارها) وحلبها، ورضاعها وفطامها، ونعوتها في طولها وقصرها، وسمنها وهزالها، وأصواتها وأوبارها، وعلفها واجترارها، ورعيها وبروكها، وأبوالها وحركة أذنابها، وأنواع سيرها ورياضتها، والرحال وما فيها، وكل ما يشد عليها، وقيودها ونزع قيودها، وسماتها وعيوبها، وجربها وأمراضها، وأدوائها ... إلخ، ولم يقتصروا على اللفظ الواحد للمسمى الواحد، بل وضعوا له الأسماء المتعددة، فإذا أنت انتقلت من الجمل إلى السفينة رأيت اللغة العربية في غاية القصور، فهم لم يوفوها حقها كما وفوا حق الجمل، ولم يصفوا كل أجزائها، ولم يضعوا أسماء لكل نوع من أنواعها، نعم هناك ألفاظ تتعلق بذلك، ولكنها لا تكاد تذكر - إذا قيست بالألفاظ الموضوعة للإبل وشئونها - بل إنك إذا فحصت الألفاظ المستعملة في السفن ومتعلقاتها وجدت كثيرا منها معربا غير عربي، كالسيابجة واليماسرة والأنجر، وكثير منها لا نشك في أنه وضع بعد العصر الجاهلي.