تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن، فقل أن تظفر بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي

صلى الله عليه وسلم

لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم، حتى نرى البخاري نفسه على جليل قدره ودقيق بحثه يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجربية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث «لا يبقى على ظهر الأرض بعد مئة سنة نفس منفوسة»، وحديث «من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل».

وكذلك قسموا الحديث بحسب قوته والأخذ به إلى أقسام، وسموا كل نوع اسما، فقسموه إلى متواتر وآحاد؛ فالمتواتر ما رواه جماعة يؤمن من تواطئهم على الكذب عن جماعة كذلك إلى رسول الله، وهذا يفيد العلم، وقد قال قوم: إن هذا النوع لم يوجد، وعد منه قوم حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وزاد بعضهم أحاديث لا تتجاوز السبعة، وأما أحاديث الآحاد فهي غير المتواترة، وهي لا تفيد العلم عند أكثر الأصوليين والفقهاء، وإنما يجوز العمل بها عند ترجح صدقها؛ وقد قسموا أحاديث الآحاد إلى درجات حسب قوتها، لا نطيل بذكرها. •••

وقد اختلف الصحابة في الحديث عن رسول الله كثرة وقلة، وأكثرهم حديثا أبو هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر، وأنس بن مالك؛ فحديث أبي هريرة 5374 حديثا، ولعائشة 2210، ولعبد الله بن عمر وأنس بن مالك ما يقرب من مسند عائشة، ولكل من جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس أزيد من 1500، على حين أنا نجد مثلا لعمر بن الخطاب 537 حديثا لم يصح منها إلا نحو الخمسين

19 ، ومما ساعد هؤلاء المكثرين في الحديث طول حياتهم بعد النبي

صلى الله عليه وسلم ، وكثرة من أخذ عنهم.

أما أبو هريرة فيمني الأصل من قبيلة دوس، واسمه عبد الله أو عبد الرحمن، ولقب بأبي هريرة لهرة صغيرة كانت له، يقول: «كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة»

20

أسلم في السنة السابعة من الهجرة ولازم النبي

صلى الله عليه وسلم ، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله، ثم أراده على العمل فامتنع، وكان يسكن المدينة وتوفي بها نحو سنة 57ه.

ويقول ابن قتيبة في كتابه «المعارف»: «إن أبا هريرة قال: نشأت يتيما وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو إذا ركبوا فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما»، وروى ابن قتيبة أيضا أن أبا هريرة كان مزاحا وحكى له شيئا من ملحه

21 .

وكان كما قلنا أكثر الناس حديثا عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وكان لا يكتب، فكان يعتمد في روايته على ذاكرته، ويظهر أنه لم يكن يقتصر على ما سمع من رسول الله، بل يحدث عن رسول الله بما أخبره به غيره، فقد روى مرة أن رسول الله قال: «من أصبح جنبا فلا صوم له»، فأنكرت ذلك عائشة وقالت: كان رسول الله يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم، فلما ذكر ذلك لأبي هريرة قال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي

صلى الله عليه وسلم

وسمعته من الفضل بن عباس

22 .

وقد أكثر بعض الصحابة عن نقده على الإكثار من الحديث عن رسول الله وشكوا فيه، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه أن أبا هريرة قال: «إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - والله الموعد

فجر الإسلام · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٠٣