تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روعت هذه الفوضى في الحديث عن رسول الله جماعة من العلماء الصادقين، فنهضوا لتنقية الحديث مما ألم به، وتمييز جيده من رديئه، وسلكوا في ذلك جملة مسالك.

منها أنهم طالبوا بإسناد الحديث، أعني أن يعينوا رواة الحديث؛ فيقول المحدث: حدثني فلان عن فلان عن رسول الله أنه قال كذا، ليتمكنوا بذلك من معرفة قيمة المحدث صدقا وكذبا، ولينظروا هل المحدث ينتسب إلى بدعة وضع الحديث ترويجا لها ونحو ذلك، جاء في مقدمة صحيح مسلم «عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقفت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».

ثم أخذوا يشرحون الرجال، فيجرحون بعضا ويعدلون بعضا، «وألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار».

وأكثر هؤلاء النقاد عدلوا الصحابة كلهم إجمالا وتفصيلا، فلم يعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كذبا، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، قال العزالي: «والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم «أي الصحابة» معلومة بتعديل الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه بذلك، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل ... وقد زعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء فلا بد من البحث ... ثم فسر الصحابي المعني بهذا بمن كثرت صحبته للنبي

صلى الله عليه وسلم »

16 .

ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضا موضع النقد، وينزلون بعضا منزلة أسمى من بعض، فقد رأيت قبل أن منهم من كان إذا روي له حديث طلب من المحدث برهانا؛ بل روي ما هو أكثر من ذلك، فقد روي أن أبا هريرة روى حديثا: «من حمل جنازة فليتوضأ» فلم يأخذ ابن عباس بخبره، وقال: لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة! وكذلك روى أنه حدث بحديث جاء في الصحيحين وهو: «متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فلم تأخذ به عائشة وقالت: كيف تصنع بالمهراس

17 ، وكالذي روي أن فاطمة بنت قيس روت أن زوجها طلق فبت الطلاق، فلا يجعل رسول الله لها نفقة وسكنى، وقال لها: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى، فردها أمير المؤمنين عمر قائلا لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أو كذبت، حفظت أم نسيت، وقالت عائشة: ألا تتقين الله ... إلخ

18 ، ومثل هذا كثير.

على كل حال فالذي جرى عليه العمل من أكثر نقاد الحديث، وخاصة المتأخرين أنهم عدلوا كل صحابي، ولم يرموا أحدا منهم بكذب ولا وضع، إنما جرحوا ونقدوا من بعدهم، وقد بدأ الكلام في الجرح والتعديل من عهد الصحابة، فقد رويت أقوال في ذلك عن عبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت وأنس، وكثر القول في ذلك من التابعين كالشعبي وابن سيرين والحسن البصري وسعيد بن المسيب، ثم تتابع القول فيه.

وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح، فأهل السنة يجرحون كثيرا من الشيعة؛ حتى إنهم نصوا على أنه لا يصح أن يروى عن علي ما رواه عنه أصحابه وشيعته، إنما يصح أن يروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود؛ وكذلك كان الشيعة مع أهل السنة فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت؛ وهكذا، ونشأ عن هذا أن من يعدله قوم قد يجرحه آخرون، قال الذهبي: «لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة»، ومع ما في قوله من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريح والتعديل، ولنضرب لك مثلا محمد بن إسحاق - أكبر مؤرخ في حوادث الإسلام الأولى - قال فيه قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق، وقال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال سفيان: ما سمعت أحدا يتهم محمد بن إسحاق، وقال الدارقطني: لا يحتج به وبأبيه، وقال مالك: أشهد أنه كذاب ... إلخ.

فجر الإسلام · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٠٢