تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نشأ من عدم تدوين الحديث في كتاب خاص في العصور الأولى واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، وصعوبة حصر ما قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أو فعل في مدة ثلاثة وعشرين عاما من بدء الوحي إلى الوفاة، أن استباح قوم لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذبا إلى رسول الله، ويظهر أن هذا الوضع حدث حتى في عهد الرسول، فحديث «من كذب علي معمدا فليتبوأ مقعده من النار»، يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة حدثت زور فيها على الرسول، وبعد وفاته

صلى الله عليه وسلم

كان الكذب عليه أسهل ، وتحقيق الخبر عنه أصعب؛ روى مسلم عن ابن عباس أنه قال: «إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه» وفي حديث آخر أن بشيرا العدوي جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله، قال: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه

4

ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة

5

إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف

6 ، وروي عن سفيان بن عيينة أن ابن عباس أتى بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر

7 ، وأشار سفيان بذراعه

6 - يريد أن ما في الدرج المستطيل كله كان كذبا على علي إلا قدر ذراع، وأن ما محاه ابن عباس إنما هو القدر الكاذب - فلما فتحت الفتوح ودخل في الإسلام من لا يحصى كثرة؛ الأمم المفتوحة من فارسي، ورومي، وبربري، ومصري، وسوري، وكان من هؤلاء من لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم كثر الوضع كثرة مزعجة، وسال الوادي حتى طم على القري. قال ابن عدي: لما أخذ عبد الكريم بن أبي العوجاء الوضاع ليضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها وأحلل

8 ، وكان عبد الكريم هذا خال معن بن زائدة واتهم بالمانوية، وكان يضع أحاديث كثيرة بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له بالجرح والتعديل، وتلك الأحاديث التي وضعها كلها ضلالات في التشبيه والتعطيل، وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة

9 ، وحسبك دليلا على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير - التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يصح عنده منها شيء - قد جمع فيها آلاف الأحاديث، وأن البخاري وكتابه يشتمل على نحو سبعة آلاف حديث، منها نحو ثلاثة آلاف مكررة، قالوا: إنه اختارها وصحت عنده من ست مئة ألف حديث كانت متداولة في عصره؛ وقال سفيان: سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئا وإن كان لي كذا وكذا، ويظهر أن بعض الوضاعين لم يكونوا يرون الوضع عن رسول الله نقيصة خلقية، ولا معرة دينية؛ روى مسلم عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، وفسر مسلم هذا بأنه «يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون الكذب»، وبعضهم كان سليم النية يجمع كل ما أتاه على أنه صحيح، وهو في ذاته صادق فيحدث بما سمع، فيأخذه الناس عنه مخدوعين بصدقه، كالذي قيل في عبد الله بن المبارك، فقد قيل: إنه ثقة صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر

10 ، وقوم كانوا يتحرون فقط أن يكون الكلام حقا في ذاته، فيستجيزون نسبته إلى رسول الله؛ قال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول: إذا كان كلام حسن لم أر بأسا أن أجعل له إسنادا

11 ، وكان أبو جعفر الهاشمي المديني يضع أحاديث كلام حق

10 ، وقوم جوزوا وضع الحديث في الترغيب والترهيب، قال النووي: «وقد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد ترغيبا في الخير في زعمهم الباطل».

على كل حال كان الوضع كثيرا، وقد حمل الوضاع على الوضع أمور أهمها: (1)

الخصومة السياسية: فالخصومة بين علي وأبي بكر، وبين علي ومعاوية، وبين عبد الله بن الزبير وعبد الملك، ثم بين الأمويين والعباسيين؛ كل هذه كانت سببا لوضع كثير من الحديث؛ قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: «واعلم أن أصل الكذب في حديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة خصومهم، نحو حديث السطل، وحديث الرمانة، وحديث غزوة البئر التي كان فيها الشيطان ... وحديث غسل سلمان الفارسي، وطي الأرض، وحديث الجمجمة ونحو ذلك؛ فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو: «لو كنت متخذا خليلا»، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب فإنه كان لعلي، فقلبته البكرية إلى أبي بكر ... فلما رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث، فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه فتله في عنق خالد ... وحديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة، وأحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة والتابعين الأولين وكفرهم، وعلى أدون الطبقات فسقهم، فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي وفي ولديه، ونسبوه تارة إلى ضعف العقل، وتارة إلى ضعف السياسة، وتارة إلى حب الدنيا والحرص عليها؛ ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه واجترحاه، ولقد كان في فضائل علي الثابتة الصحيحة وفضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية لهما»

فجر الإسلام · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٠٠